هل المرحلة التاريخية بحاجة إلى تغيير أو تحويل؟!


أثناء بحثي ببعض المواضيع ذات الصِّلة بالتغيير السياسي والاجتماعي، طفت على العديد من المقالات والدراسات الخاصة بهذا الشأن. ولكن ما أثارني فعلاً هو التساؤل: ما هو الفرق بين التغيّر والتحوّل؟ في معرض الإجابة على هذا السؤال وجدت نفسي مبحراً في خضم عميق من المفاهيم والمواضيع المترابطة وغير المترابطة. مواضيع شتى بلغت حدين من السخرية والجد مع شرود ذهني فيما بينهما. لن أسهب في تلك الموضوعات الساخرة في هذا المقال، وسأترك للقارئ خياله ليتصور ما سأكتبه لاحقاً. 
في هذا المقال سأكون اكثر جدية، وأتناول موضوعا مهما يطرق باب اهتمام جميع المواطنين وخاصة السياسيين في الكويت، وهو: ما شكل التغيير الذي نحتاج إليه في المرحلة القادمة كي نعبر التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الماثلة أمامنا اليوم؟
على الرغم من تشابههما واستخدامها المتبادل إلا أن مفهوم التغيير مختلف عن التحويل. ولعله من المفيد الاستعانة بما كتبه آرون اشكناز Ron Ashkenas على شبكة هارفرد بزنس رڤيو بعنوان:
«ما زلنا لا نعرف الفرق بين التغيير والتحوّل»
‏We Still Don’t Know the Difference Between Change and Transformation!
يقول رون اشكناز إن التغيير هو عملية انتقال جزئي في إدارة المؤسسة أو الشركة، مثلما يكون الأمر في التغيير في اختصاص بعض القطاعات أو تغيير في طبيعة عمل بعض المدراء والقادة. لكن التحويل هو عميلة أكبر من ذلك بحيث يتم التحول النوعي في جميع المناحي من أجل الانتقال إلى حقبة تنافسية جديدة مغايرة تماماً للواقع.
التحويل هو عبارة عن اختراع مبادرات جديدة بناء على رؤية مختلفة عما هو مختلج بعقول المعنيين بالأمر. فالتحول يكون في مواجهة بيئة متحولة تحدث عند منعطفات تاريخية كبرى تخلق في ذاتها هالة جديدة من التحديات والظروف المستجدة والمختلفة تماماً في جذورها وفروعها عما كان في الماضي. 
وعلى المستوى السياسي، فالتحول مطلوب عندما تكون البيئة الداخلية والخارجية متحولة أيضا. والشواهد كثيرة وبائنة في التحولات الدولية التي انعطفت بالمجتمع الدولي خلال السنوات الماضية والتي قضت ببروز ملامح نظام دولي جديد. فالبناء الهيكلي للعالم ليس متوقفا على قطبية أحادية قوامها هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية فقط بل ينافسها في ذلك كل من الصين والتكتل الأوروبي والتحالف العصبوي الآسيوي بقيادة روسيا وتركيا وإيران والهند. وعلى المستوى الإقليمي تنبري مجموعة أخرى من المتغيرات الكبيرة التي وضعت مثاقيل جديدة على موازين القوى. فبعد موجات رياح الربيع العربي التي اجتاحت التضاريس السياسية في العديد من الأنظمة العربية، أدت الى تركيبة جديدة من التحالفات والعلاقات وأشكال الصراع. بل ان تلك الرياح العاتية قد أحدثت اهتزازات في بعض النظم العربية التي عايشت التقليدية السياسية لفترة طويلة وجعلتها تهم بالخروج من قوقعاتها للتموضع في صدفيات أخرى أكثر استجابة للبيئة الجديدة وان كانت تلك المخارج متواضعة حيث ترتسم عليها الظواهر الخارجية «التزيينية» أكثر من معالجاتها العضوية المطلوبة في أبنيتها السياسية الداخلية.
أما على صعيد نسيج السياسة الداخلية، فمعظم الدول وجدت نفسها في مواجهة أشكال من التحديات لم تعتد عليها ولم تعد أجهزتها الصلبة قادرة على مواجهتها. فظاهرة «التكنوشبابية» التي خلطت قطاعات كبيرة من الشباب، وهم الشريحة المجتمعية الأكبر في اغلب المجتمعات العربية، في مسارات ومسالك وأفكار وطموحات مغايرة عما كانت الفئات المجتمعية التقليدية أو الحزبية القديمة تقوم به وتتبناه. كما أن الأوضاع الاقتصادية المتحولة بفعل عوامل التعرية التكنولوجية والمعرفية خلقت آفاقاً مغايرة تماماً في تعاملات السوق والتجارة والعمل والمهن، وبالتأكيد اثر ذلك على المنظومات التعليمية بشكل عام. كل تلك المتغيرات وما سواها تتطلب تحولاً وليس تغييراً.
قد ينطوي التحول على قدر أكبر من المخاطرة من التغيير لكنه أمر لابد من اتخاذه في كل حقبة زمنية انتقالية بحجم التي نشهدها اليوم على المستوى العالمي والمحلي مثلما ذهبنا إليه. ولعل دول المنطقة برمتها تحتاج لإعادة التفكيك والتركيب والاستبدال والإحلال في فسيفساتها السياسية التي كانت تظهرها على نحو مقبول خارجيا وداخليا وقادر على مواءمة المدخلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مع المخرجات التي بموجبها كانت تسبك من خلالها مفاتيح الأبواب للتعامل السياسي. وعلى هذا النحو لابد من النظر بجدية لهذه الأنظمة إن أرادت مواكبة تلك التحولات الكبيرة أن تقوم بإجراءات خلاقة وجريئة بحيث تتناول عناصر ومركبات قل الحديث عنها في السابق. ومن أمثلة تلك الإجراءات إمعان النظر في فكرة تجديد العقود الاجتماعية وتعديلات دستورية ملائمة من شأنها ضبط تلك العقود، بحيث يتم مأسستها وتحصينها ضد التهديدات الفعلية للأمن القومي. وهذا بطبيعته لا يتطلب تعديلاً في النظم الانتخابية بل بإيجادها كحتمية تاريخية تفرضها التحولات الداخلية والخارجية الراهنة. وعلاوة على ما سبق، فهناك استحقاقات لتعديلات سياسية جوهرية تتعلق بعلاقة السلطات مع بعضها بحيث تكون اكثر انسيابية وتكاملية وبشكل شفاف يراعي عناصر السرعة في اتخاذ القرارات والتطور التكنولوجي وضوابط الحوكمة الادارية.  
ومن الجدير فعله في ظل مرحلة التحول أن تتم تعديلات في النظام الاقتصادي الريعي الذي استحكم على الثقافة والمعادلات السياسية لدى السلطات والشعوب، والذي من شأنه أن يساهم في ترشيد السلوك الاقتصادي على المستوين والميكرو شعبي والماكرو مؤسسي. ولا شك أيضا في أن هناك حاجة ملحة في اتخاذ خطوات عملاقة وسريعة في بنية المنظومة القانونية والادارية بالدولة الى جانب تعديلات جذرية في الرؤية التنموية البشرية وخاصة في المنظومة التعليمية. كل تلك التغييرات لابد أن تنسجم مع أساس الدولة المتمثل في ضرورة الوجود والاستمرار والاستدامة والتي لابد أن ترخي سبلها على رؤية أمنية شاملة للدولة بما يشمل السياسة الخارجية والقضايا الأمنية الناعمة، مثل الأمن البيئي والتعليمي والطاقة والشباب وغيرها كما تم بيانه. إن التحوّل بات واجباً وليس خياراً، وبموجب ذلك فالأمر يحتاج إلى مجمع عقول إبداعية لا تقف عند حدود نزاعات جزئية لقضايا صغيرة ناتجة عن إفرازات لتقرحات سياسية أسبابها الحقيقية هي الاختلال في النظام المناعي للدول في مواجهة استحقاقات حقبة جديدة، رفعت الأقلام وجفت  الصحف.