هل نحن ضحايا لتجربة نظرية الصدمة؟


ميلتون فريدمان عالم اقتصادي ومؤسس مدرسة شيكاغو الداعية الى الرأسمالية الجشعة او رأسمالية الكوارث وفقاً للتسمية المخففة علمياً بأدبيات الليبرالية الجديدة، وقد تبنى فريدتان نظرية الصدمة النفسية التي أسس منهجيتها عالم النفس الكندي دونالد أوين كاميرون والذي بدوره قد انتهج علاجا لمرضى نفسيين يعانون من كرب نفسي جراء حوادث ماضية، وكان علاجه يقوم على اساس محو تلك الذاكرة عبر سلسلة من إجراءات لتعطيل الحواس وطمس ذاكرة الماضي، ولتمكين الرأسمالية من السيطرة على الشعوب كان لابد من ابتداع الصدمة التي عادة ما تصاحب كوارث أمنية او طبيعية او سياسية او اقتصادية تحل بدولة ما. وتقوم نظرية الصدمة الاقتصادية على أساس محو ذاكرة الشعوب من خلال اختلاق كوارث اقتصادية مفاجئة تكبل تطلع الناس إلى الحريات وتجعلهم ينسون التفكير في الماضي والمستقبل لينحصر تفكيرهم في التعايش مع مآسي اللحظة. 
كما تقوم نظرية الصدمة الاقتصادية على أساس اختلاق مشتقات سياسية واجتماعية مفاجئة قوامها خسارة سريعة لسبل الحياة وتبديد سريع لثروات الدولة، فالدول التي كان لديها ثروة كبيرة وتعيش في رغد عيش ورفاهية تصحو على كمية كبيرة من مشاكل اقتصادية وبصورة مفاجئة ومصاحبة لاشكاليات اجتماعية وسياسية وأمنية وحياتية، بحيث يكون رأس الفرد خلالها محشواً بكم كبير من الإنشغال الذهني اللحظي الذي يدفعه لقبول ادنى مستوى ليبقى على الحياة، وبذلك يتم محو ذاكرته عن الماضي وتحطيم آماله عن المستقبل. وبهذا النحو يكون الفرد، بل ويكون تفكير الأمة بأسرها مرتهناً بالبحث عن الحد الادنى للحاجات الأساسية وهي المأكل والملبس والمأوى من دون أن يكون لديها أي وقت للتفكير بالماضي بكل ما ينطوي عليه من ذكريات وفي ذات الوقت لا يستطيع ان يمتد تفكيره في المستقبل، وبذلك يكون التفكير الجماعي للشعب في حالة شبيهة بالعجز او الشلل العقلي، ما يستتبعه عدم القدرة على استيعاب ما يجري حوله من شدة الاندهاش او الصدمة الحادة، وبطبيعة الحال فالصدمة الاقتصادية لها مقدماتها ايضاً التي لا تبتعد عن شكل ارهاصات سياسية وأمنية وإدارية تحيط بالدولة داخليا وخارجياً، ومن أشكال تلك المقدمات الحرب والنزاعات المسلحة والإرهاب والفساد الاداري الناجم من نخب «التكنوقراطيون التافهون» وفقا لتعبير ناعومي كلاين صاحبة كتاب (عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث). والتكنوقراطيون التافهون هم عديمي الكفاءات ممن يتحكمون بمفاصل الدولة ليوقعوها في شراك قرارات خاطئة وفاسدة ومكلفة يدفع ثمنها الشعب. 
وعندما نسقط هذه النظرية على واقعنا، نجد بأن إرهاصاتها تكاد تكون متجلية خاصة بعد ازمة وباء «كورونا» فقبل فترة وجيزة لا تزيد عن سنة، كان الوضع الاقتصادي على ما يرام او على الأقل طبيعي بل كان الحديث عن تعزيز دولة الرفاهية ووجود ملاءة مالية وفيرة في الصناديق السيادية والأجيال القادمة والاحتياطي العام، وبصورة مفاجئة تظهر مشاكل عديدة وبصورة متراكمة تقودنا للحديث بشأن نتائج تدني استعار النفط، وانتهاء عصر البترول، وعجز عن دفع الرواتب وتوالي أزمات سياسية قوية مثل الصندوق الماليزي وسرقات كبيرة وفتح ملفات فساد ومخاطر صحية يذهب ضحيتها أناس كثيرون وتصاعد حاد لمظاهر فتن طائفية وفئوية، علاوة على يأس من الإصلاح وانزواء سياسي، وما الى ذلك من مشاكل كانت في محل سجال نظري ولكنها باتت في الوقت الراهن في محل نزال عملي شبه يومي، وفي ظل تلك الإرهاصات تتصاعد وتيرة حادة لحرب محتملة في الإقليم الخليجي الصغير والذي أكثر ما يدفع ثمنها هو الدول الصغيرة ومنها الكويت، وبالفعل ادى هذا الوضع الى صدمة للكثير من الناس بحيث ازداد معها اليأس وتقوقع التفكير في اللحظة الى جانب تحطيم شبه كامل للتفكير المستقبلي ومحاولة عرقلة إرادة التغيير من خلال بث اليأس من جانب وتحفيز قوة أطراف التدهور من جانب آخر، لم يعد لدى الكثير من الناس القدرة على التصور بأنه بالإمكان الخروج من هذه الإجواء السلبية التي طغت على الإطار التفكيري وجعلت منه حيزا صغيراً في مساحة اللحظة فقط، وهذا اخطر ما يواجه اي مجتمع.
عندما قرأت عن هذه النظرية وكيف تم توظيفها عملياً على بعض دول وشعوب عديدة، وعندما استرجعت شريط الأحداث التي نمر بها خلال هذه الفترة الوجيزة، قادني التفكير فعلياً الى شعور بأننا قد نكون ضحايا لتجربة نظرية الصدمة.
ولأن آثار تجربة الصدمة ستكون وخيمة على الجميع من دون استثناء سواء في السلطة ام في صفوف الشعب، فلا خيار لدينا للنجاة منها الا من خلال اتباع القفزة التاريخية الجماعية، هذه القفزة الجماعية التي تتطلب تصالحا وطنيا وتعاضدا شعبيا ومؤسسيا في اتجاه إصلاح حقيقي سريع نترفع فيه عن العقلية الصفرية التي تسيطر على اجنحة التنافس السياسي، والدخول في محيط إدراك حقيقي للطبيعة «النسبية» للعمل السياسي التي تفرض علينا قبولا نسبيا لرؤى بعضنا البعض في إطار مشروع وطني عام، وذلك بالتأكيد لن يتأتى الا من خلال التمعن في الاختيار للافضل بعيدا عن النزاعات والمراهنات السياسية والاجتماعية، خاصة تلك التي زرعت في بيئتنا الكويتية خلال السنوات القليلة الماضية، والتي قد تكون بفعل هندسة مفتعلة تقودها محركات خارجية وداخلية لافتعال الصدمة. 
لقد تم تطبيق هذه التجربة على مجتمعات ودول كثيرة واتمنى ألا تنجح عندنا، وحتى ننجو من ذلك علينا ان نفكر صح ونقرر صح ونختار صح، فلم يعد لدينا المزيد من الوقت لنضيعه.