الجيش الأوروبي الموحد: استمرار غياب الثقة الأوروبية في واشنطن


فور التأكد من انتصار بايدن، خرج الرئيس الفرنسي ماكرون بعدة تصريحات لم يتم الانتباه لها بعناية في خضم الزخم الإعلامي حول مجريات الاستحقاق الرئاسي الأميركي، حذر ماكرون في تصريحاته بأنه لا يمكن حماية الأوروبيين من دون وجود جيش أوروبي حقيقي، زد على ذلك قد حذر كذلك من استمرار اعتماد الأوربيين على الحماية الأميركية.
الملفت في الأمر أن تحذيرات ماكرون، والتي ليست بجديدة فقد تكررت سابقا على ألسنة مسؤولين أوروبيين، مخيبة تماماً للآمال العريضة المعلقة على بايدن، بعد توتر غير مسبوق بين بروكسل وواشنطن إبان فترة ترامب، في استعادة ثقة الأوروبيين بشأن استمرار التزام واشنطن التقليدي في ضمان الحماية الأوروبية عبر منظومة حلف الدفاع المشترك «الناتو».
إذ صرح بايدن أثناء حملته الانتخابية وبعد فوزه، بأن أولويته استعادة الثقة المفقودة مع الشركاء الأوروبيين خاصة فيما يتعلق بالترتيبات الدفاعية عبر الناتو، ومع ذلك يدرك الأوروبيون جيدا أن أقصى ما يمكن أن يفعله بايدن للناتو هو استمرار الدعم المالي «نسبيا» وقيادة معنوية باهتة من الخلف. 
تحذيرات ماكرون ويشاطره مخاوفه مسؤولين عدة بما في ذلك داخل الناتو، لم تأت من فراغ، بل بُنيت على رؤية واقعية محضة مستمدة من واقع بعض المتغيرات الكبرى أهمها التباين الهائل في الأولويات الأمنية بين واشنطن وبروكسل.
مع استمرار صعود الصين في آسيا، أضحت الأولوية الكبرى لواشنطن هو تركيز حضورها العسكري في الباسفيك لمقاومة هذا التحدي الرهيب المهددة لهيمنتها على النظام الدولي، إبان فترة أوباما، سحبت واشنطن أكثر من نصف حضورها البحري الى المحيط الهادئ، وهو ما أتى على حساب أولويات أوروبا الأمنية، البعيدة عن اهتمامات واشنطن، والتي تنحصر في مقاومة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية والتهديد الروسي، ففي الأزمة الليبية على سبيل المثال، بالكاد استطاع الأوروبيون إقناع أوباما بالمشاركة في حملة الحلف للإطاحة بنظام القذافي.
يدرك الأوربيون جيدا أيضا، أن ما تعاني منه واشنطن في أزمات اقتصادية يحول دون استمرار تحملها النصيب الأكبر من نفقات الناتو، والخوض في معارك عسكرية كبرى لصالح الأوروبيين، وهنا لا ننسى تصريحات أوباما الشهيرة التي طالب فيها حلفائه الأوروبيين بمشاركة واشنطن في نفقات الحلف والاعتماد على ذاتهم.
الرهان على استمرار الحماية الأميركية لأوروبا أمر محل شك كبير، كذلك الرهان على تأسيس جيش أوروبي، هل ستعتمد كل دولة أوروبية على تقوية دفاعاتها الأمنية بشكل منفرد على حساب التزاماتها في الناتو؟، سيناريو مرجح على نحو كبير.