لماذا نحن مطالبون بتطوير أنفسنا؟


خلق الله الأرض وزودها بكل لوازمها، كما خلق الإنسان وزودة بالحواس التي يستخدمها كي يستجمع من خلالها معارفة ومعلوماته عن الطبيعة، وأعطاه العقل، كي يفرز ويحلل وينعقد ويستخدم هذا الكم الهائل من المعلومات، والبشرية تسمي ما سبق بالثقافة والتي مصدرها التجهيز لما منحنا الله إياه، فيقال ثقف الأرض أي قام بتسويتها وجعلها صالحة للزراعة والاستخدام، ويقال ثقف الرمح أي جعله صالحا للصيد، ومن هنا تظهر أهمية الثقافة بقوة كي يتمكن الإنسان من السيطرة على ما في الطبيعة من ثروات هائلة دفنها الله في باطن الطبيعة كي يتعلم الإنسان ويستدل بالمعرفة للوصول إليها واستغلال هذه النعم، والفارق بين إنسان الغابة، والإنسان يسكن المدن ويرتاد البحار والمحيطات والهواء، ويغزو الفضاء هو القدرة على استغلال المعرفية، وتسخير العقل، لخدمة البشرية، وكما نحن مدعون للسير في الأرض وعمرانها، فإن هذا العمران يحتاج إلى الفكر، والثقافة، وكلها تحتاج إلى تطوير الذات، وأول درس في تطوير الذات هو تجميع الأفكار والمعارف والثقافات، ثم هضم كل ذلك، لنصل إلى المرحلة الأهم، وهي استغلال هذه الأفكار فيما يفيد تطور الإنسان وكيف يخطو إلى الأمام، وبطبيعة الحال، فإن الطريق ليس ممهدا، وليس مفروشا بالورود، لكنها العقبات تلعب دورا إيجابيا في حياة الإنسان تدفعه إلى البحث عن إمكاناته، التي من خلالها يستطيع الوصول إلى حلول لهذه العقبات، وهذا هو دور العراقيل والأزمات والمحن، تدفع البشر إلى أن يبحثوا عن طرق جديدة، وحلول ليست مطروقة، وكما قيل فإن ظهور أزمات جديدة يعني ظهور أفكار جديدة واتجاهات جديدة، ورؤى جديدة، وقيادات جديدة تستطيع التعامل مع هذه الأزمات وقد قضى العلماء يفكرون طويلا حول موضوع قدرة الإنسان على مقاومة العراقيل، ولقد طرح أحدهم سؤالا ضخما، أين تكمن قدرة الإنسان على المقاومة، وقضى العالم الكبير شترواس حياته يفكر في الوصول إلى إجابة لهذا السؤال، إن قدرة الإنسان على المقاومة للصعاب قد تجلت في كتابات همينغوي في رائعته العجوز والبحر، وفي أعمال الكاتب دوستويفسكي والذي كتب ملحمة أعماق الإنسان، وكشف سراديب النفس البشرية وغاص في دهاليزها، ووضع أمامنا الإنسان بكل ما تنساب في أعماقه من تيارات، وأمواج، واضطرابات، وأفكار، ووحدة، وأنوار، وانهزامية وقدرة على المقاومة، حتى آخر رمق.
إن قدرة الإنسان على التطوير، لا حدود لها، والعلم يخبرنا أن الإنسان بكل ما وصل إليه من أفكار لا يستغل سوى 2 بالمئة، من طاقته، وما زالت لديه 98 بالمئة، من الطاقات لم يقم باستغلالها بعد، فهل يحق للإنسان أن يشتكي ولديه كل هذا الكم الهائل من الكنوز، ولدية من النوافذ المفتوحة على العالم من حواس لا يمكن إشباعها على الأطلاق، فإذا ما فهم كل إنسان ذاته، يكتشف كما هائلا من الطاقات، التي تتيح له الانطلاق بكل ثقة صوب الحياة بعبء منها حيثما شاء.
وقديما قال سقراط أعرف نفسك، وكان يقصد أنه ينبغي عليك أن تعرف الطريق الذي يوصلك للسعادة، وهذا لن يكون إلا إذا أكتشف ذاتك، وذات الإنسان مثل قارة بكر، مليئة بالطاقات والإيجابيات، ولكننا تقاعسنا عن ركوب الأفكار والعلم والمعرفة التي توصلنا إلى اكتشاف ذاتنا والانطلاق بها صوب الأهداف التي نضعها أمام اعيننا ونسعي لتحقيقها، وما خلق الله الإنسان إلا وزود كل فرد بصفات وميزات يستطيع من خلالها إلى يصل تحقيق مآربه لو عرف كيف يستغل ما أمدته يد الخالق من نعم لا تعد ولا تحصى، إن إمكانيتنا مثل الأرض الخصبة، تحتاج للحرث وتقليب باطنها حتي تتعرض لضوء الشمس وتتغذى منه، وتكون جاهزة للبذور، فإذا ما نثرت فيها الثمار، ورويتها بالاجتهاد، فإنك حتما ستحصد ما زرعت.