«الهيئة العامة للاحتياطي الفكري»


لن أستنكف أن أكرر ما كان سارتر يقوله دائما من التنبيه على أهمية الثقافة، إذ كان يقول، إننا إذا خسرنا كل شيء، ولم يتبق لنا سوى الثقافة، فإن هذا يكفينا، ونحن بدورنا ننبه على مدى أهمية وضع استراتيجية تطوير الحالة الثقافية والفكرية في البلاد، وأن تكون الكويت عاصمة للثقافة كما كانت عليه الحال من قبل، وإذا كنا نمتلك هيئات كثيرة، فإنه لن يضيرنا أن نؤسس الهيئة العامة للاحتياطي الفكري، كي تتعامل هذه الهيئة مع جميع الهيئات التي تشكل مؤسسات الدولة، وتصب في هذه الهيئة بكل ما لديها من أفكار، حتي يكون لدينا مجمع علمي نسعي فيه إلى التعرف على أنفسنا، ونقل الفكر العالمي والتعرف على الإنتاج الفكري لحظة بلحظة، وتصبح الثقافة لدينا مادة اقتصادية، وتكون الهيئة العامة للاحتياطي الفكري، هي القلب النابض للبلاد، تضع جميع هيئات الدولة أفكارها لتكون رهنا لهذه الهيئة، ويضع كل طالب علم، جهوده بها، ويدرج بها أسماء جميع الطلاب المبتعثين والذين يكونون مجبرين على تسليم حصادهم العلمي إلى هذه الهيئة، ويقوم على هذه الهيئة كوادر ثقافية مدربة، تستطيع أن تقود قطار الكويت الفكري، وكما أن هذه الهيئة تتجمع فيها كل الأفكار فإنها ستكون قادرة على أن تمد هيئات الدولة بالكوادر وإعطاء التوصيات حول الكوادر التي تستطيع أن تخدم البلاد، لتكون القلب النابض الفكري للكويت، يغذي شرايين الكويت بكل ما هو متاح في عالم الفكر، وتنتهي إليه المنتجات الثقافية في العالم أجمع.
إن انطلاق دولة مثل بريطانيا كان على أساس مقولة المعرفة قوة (Knowledge is Powerful)، ولا توجد قوة تضاهي قوة المعرفة، والذي لا يملك المعرفة، فسيحل مكانها الجهل، الذي هو من أكبر الآفات المدمرة للإنسان، لأن المرء عدو ما يجهل، فإذا ما كان الإنسان يجهل الفكر فسوف يكون عدوا له، وإذا ما كان يكره النهوض، فسيظل يحدثك عن الراحة والكسل والدعة.
كلنا يعلم تمام العلم النقص الحاد والفاضح في الكوادر الفنية والعلمية في معظم المجالات إن لم يكن في كافة المجالات، اقتصادية كانت أو اجتماعية، تعليمية، أم قانونية، علمية، كانت أم أدبية، زراعية أو صناعية، السبب الوحيد أنه ليس لدينا احتياطي فكري، يمكن الاعتماد عليه وقت الحاجة، من الاختبارات القريبة التي مررنا بها، وقت أن فقدنا أميرنا اكتشفنا إن الجهاز الإعلامي الذي تمتلكه البلاد والذي يحظى بميزانية ضخمة، لم يستطع أن يقدم للعالم إلا شهادة اعتراف بفشل الإدارة الإعلامية في قيادة حدث ضخم يؤرخ له في التاريخ، إننا نؤكد على أنه، لا يستطيع أحد أن يقدم التضحية والإخلاص والجهد للكويت، إلا أبناء الكويت، إنه لن يبني الكويت إلا أبناء الكويت، لأن الأوطان لا تبنى بالوكالة، لقد وضعت أزمة «كورونا» المؤسسات التعليمية على المحك، ولأن الأمر أيضا ينقصه الاحتياطي الفكري، فقد وقفت الوزارة عاجزة طوال شهور عديدة أن تقدم حلول تتعلق بالتحصيل العلمي، ولن تستطيع إلا إذا كان هناك احتياطي فكري تعتمد عليه الكوادر التي تخطط من أجل مصلحة البلد، ونهضة أبنائها.
إنها مسألة الاحتياطي الفكري الذي يساعدنا في البحث عن الإستراتيجيات، ووضعها، والسعي لتنفيذها، 
ومعالجة المسالب التي تظهر أمام هذه الإستراتيجيات، إن الحلول تبدأ من الفكر وتنتهي بخدمة قامة البلاد وقامتها.