الدهر يومان: فلا تجعلوه يوماً من الماضي


قال الإمام علي عليه السلام «الدهر يومان، يوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر».
هذه المقولة الفلسفية الخالدة أشملت نظرة مستقبلية مستسقاة من جذور التاريخ وتجاربه وأرجوزاته العريقة، فهي ليست كلمات عابرة، وإنما جذوة نور تستشرف صيرورة الإنسان لتقوّم مساره في مصارعة الظلم ومناصرة الحق، والصبر على الحق حتى يفيئ الله ببشائره على المتقين الذين لا ريب من أنهم سيجدون من امرهم رشداً وقدراً ومخرجاً ثم يسرا، هي كذلك مقولة تحاكي المستقبل ولا تنغلق في صندوق الماضي، هي مقولة تقود إلى سنة الحياة الحقيقية التي تبرهن على أن الحق مبدأ واحد لا يتقطع بالمكاسب، في حين أن الباطل شرذمة لا يتجمع في أراضي سباسب، وأنها تذكرة لمن يريد الذكرى من كل جانب.
وهكذا هي حقوق الناس، فلا يجرمنكم فعل خصم أن تبطروا، واذا ابتليتم فاحتسبوا واصبروا، فالدهر يومان فيما يأتيك يا أيها الإنسان الكادح الى ربك كدحاً، أن الدهر ليس يوما من الماضي حتى نحتبس فيه كي نتناوب على دور السجان، فاذا كان ضرب أناس في يوم من الأيام فلا تبطر وتتغافل او تستحسن او تتهاون «ولا تحسبن أن الله غافلاً عما يعمل الظالمون»، فسيأتيك يوماً «تشخص فيه الإبصار»، وحينها ستبقى وحيداً يتيما.
المبدأ الحق واحد لا يتجزأ إن كان لك أو عليك، لذلك امضي أيها الإنسان في طريق ذا الشوكة ولا تعبء بقلة سالكيه، لقد ضرب أناس فمن أرتضى بذلك بطراً سيأتيه لا محال اليوم الوطراً، من المعيب ان نختزل الدهر في معاينة أخطاء الماضي، إننا بحاجة لأن ننظر الى مستقبل لا بطر فيه ولا غطر، ولنكون في الحق متوحدين حتى نمضي صفاً واحداً عندما يواجه أحدنا مظلمة لكيلا نتفرق فتذهب ريحنا ويقل قدرنا وتتمكن منا الدواهي وتبكي علينا البواكي فنكون «كمثل العنكبوت التي أخذت بيتاً وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت».
من ينسج خيوطه ليكون في بيته لينظر من نافذته على ظلم جيرانه ويعتقد بأنه لا يمس فهو خاطئ، فالدهر يومان وسيأتيك حيناً من الدهر وينظر إليك يوماً ما وانت تحت نير سياط الظلم ولن تكن ذكراً مذكوراً، حينها لا تحصنّك خيوط العنكبوت.
هذه رسالة لكل إنسان غافل وسياسي مستغفل ظلم غيره في يوم من الأيام، ذلك لأن الحقيقة الثابتة هي أن الدهر يومان يوم لك ويوم عليك، فتذكروا يا أولوا الألباب.