حرب دينية وقومية وهدنة هشة


تواصل القصف المتبادل بين أذربيجان وأرمينيا في إقليم ناغورني قرة باغ، رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه أمسِ في موسكو حيز التنفيذ.
فالصراع بين دولة أذربيجان وأرمينيا يتداخل فيه العامل القومي بالعامل الديني والتاريخي والثقافي، تقع الدولتان في أكثر المناطق تعقيداً من حيث التركيبة السكانية والطبيعة الجغرافية، في منطقة عاشت فيها ديانات وقوميات عديدة كانت ديدنها الحروب المستمرة، مثل الشركس والترك والفرس والكرد وقوميات متصارعة عديدة، كانت هذه المنطقة في زمن ما تحت سيطرة الدولة الصفوية حتى استحوذ عليها الاتحاد السوفييتي في بدايات القرن الثامن عشر، فانتقلت المنطقة من حضارة إسلامية شيعية إلى مسيحية أرثوذكسية مشرقية، زادت على الصراعات الموجودة بالفعل أبعاداً أخرى للصراع.
وما يؤكد ما ذهبنا إليه أنه بعد حدوث المناوشات بين الدولتين، خاطب رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان شعبه قائلا «استعدوا للدفاع عن أرضنا المقدسة»، فهو في خطابه هذا، يخاطب الوجدان الديني للشعب الأرمني، حيث يستعمل الدين والقداسة كدافع للشعب للدخول إلى المعركة بعزيمة وبسالة؛ فيما قال الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، إن بلاده تدافع عن أراضيها، وإن إقليم «قره باغ» تابع لها في خطاب وجههه علييف إلى شعبه قال: «لن تذهب دماء شهدائنا هدراً، دمّرنا معدات عسكرية للجيش الأرميني». فهو هنا يستخدم نفس الأسلوب الذي يحاكي المشاعر الوجدانية الدينية والقومية للشعب الأذربيجاني ويذكرهم بالشهادة، وحينما نرجع إلى الجانب التركي نجد التصريحات على أعلى المستويات داعمة للدولة الأذربيجانية وذلك بسبب دوافع تاريخية وارتباطات قومية ودينية والأهم من ذلك كله أن المصلحة العليا للدولة التركية تجد موضعها عند أذربيجان وليس أرمينيا.
إنّ هذه الحرب القائمة بين الدولتين قد تتسبب بتغييرات كبيرة في منطقة القوقاز إذا ما اشتعلت بشكل أكبر خصوصا بعد فشل الهدنة الروسية، ولا تنتهي الحرب بين الدولتين فقط بل ستدخل روسيا وتركيا وإيران بشكل قوي وفاعل على الأرض كما حدث في سورية وهذا بالطبع فيه إضعاف للدولة التركية والإيرانية بسبب تعدد الجبهات الخارجية لهاتين الدولتين في ظلّ الفورة العالمية وسياسة فرض الأمر الواقع بدل الحوار الذي أصبح النهج السائد للدول؛ إنه صِدام الحضارات.