النفاق خراب للمجتمع


النفاق دمار للمجتمع وقاتل للحقوق ومدمر للعدالة الاجتماعية، وبحثي وما نشر عن النفاق نجد أن هناك عدّة أقوالٍ في أصل كلمة النّفاق في اللّغة، ومنها أنّها مُشتقّةٌ من النّفق، وهو السّرب في الأرض، وقد أُطلق عليه هذا الاسم لأنّ المنافق يستر كفره ويُغيّبه، كالذي يدخل في النّفق ويستتر فيه، وقيل إنها مشتقّةٌ من نافقاء اليربوع، فهو يحفر جحره حتّى إذا اقترب من سطح الأرض ترك قشرةً رقيقةً، حتّى لا يُعرف أنّه مخرجٌ، فإذا رابه ريبٌ دفع تلك القشرة برأسه وخرج، فظاهر جحره ترابٌ كأنّه من الأرض، وباطنه حفرةٌ، وكذلك المنافق يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر، ويعرّف النّفاق شرعاً بأنّه إظهار الإيمان وإبطان الكفر، والنّفاق اسمٌ لم تعرفه العرب قبل الإسلام.
النّفاق كما للكفر والفسوق والشرك أنواعٌ ودرجاتٌ، فإنّ للنّفاق أيضاً أنواعٌ، منه ما يُخرج من ملّة الإسلام، ومنه ما لا يُخرج عنها، حيث بيّن العلماء أنواع النّفاق وفصّلوها، كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (النّفاق هو إظهار الخير وإسرار الشرّ، ونُقل عن الحسن البصري -رحمه الله- أنّه قال: (النّفاق نفاقان، نفاق عملٍ، ونفاق تكذيبٍ)، كما بيّن الإمام ابن القيم -رحمه الله- أنّ النّفاق نوعان أكبرٌ وأصغرٌ، وأنّ النّفاق الأكبر يُوجب الخلود في الدّرك الأسفل من النّار، وعُرّف النّفاق الأكبر بأنّه إظهار الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وإبطان عكس ذلك والانسلاخ منه، وبيانٌ لأنواع النّفاق:
 
• النّفاق الأصغر: ويُعرّف بالنّفاق العملي، وهو اختلاف السرّ عن العلانية في الواجبات، فالنّفاق الأصغر لا يُخرج فاعله من ملّة الإسلام، حيث لا ينتفي عنه الإيمان بشكلٍ مطلقٍ، ويبقى أصل الإيمان في قلبه، ولكنّه يستحقّ العذاب في النّار كسائر أصحاب المعاصي لقيامه ببعض أعمال المنافقين، كالكذب في الحديث، وخيانة الأمانة، وإخلاف العهد، والفجور عند الخصومة، والرّياء في الأعمال، وإظهار المحبّة والمودّة وإبطان عكس ذلك، ومع هذا العذاب إلا أنّ المنافق لا يُخلّد بالنّار، وتناله شفاعة الشافعين بإذن الله، ولكن ينبغي الحذر من النّفاق العملي لأنّه قد يؤدّي بصاحبه للنّفاق الأكبر.
 
• النفاق الأكبر: وهو إظهار الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر باللّسان والجوارح، وإبطان الكفر في القلب، حيث يعتبر النّفاق الأكبر كالكفر الأكبر، فينتفي الإيمان عن فاعله ويُخرجه من ملّة الإسلام، ويُوجب خلوده في النّار، وقد توعّد الله -تعالى- فاعله بالدّرك الأسفل من النّار إذا مات عليه، فهو من أشدّ أنواع الكفر لأنّه ليس مجرّد كفرٍ صريحٍ، فهو كفرٌ، وكذبٌ، وخداعٌ، ومراوغةٌ للمؤمنين، ولذلك توعد الله مرتكبه بأشدّ العقوبات.
وبيّن الله في القرآن الكريم صفات المنافقين، حتّى لا ينخدع المؤمنون بهم، إلا أنّه يُعامل معاملة المسلمين في الدّنيا، وتجري عليه أحكام الإسلام، طالما أظهر الأعمال الظاهرة من الإسلام، ولم يُظهر ما في باطنه من الكفر والنّفاق، فالإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستوجب الإيمان الباطن، حيث إن الله -تعالى- لم يأمر عباده بالشّقّ عن ما في الصّدور، ولا بُدّ من الإشارة إلى أنّ إطلاق لفظ النّفاق في القرآن الكريم يُقصد به النّفاق الأكبر، أمّا في السنّة فقد ورد النّفاق الأصغر.
قال تعالى : (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّـهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) وقال تعالى: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) حيث بيّن الله تعالى ورسوله -عليه الصّلاة والسّلام- علامات النّفاق، وفيما يأتي بيانٌ لعلامات النّفاق : الكذب وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة.