السلفنة السياسية عندنا.. فماذا تبقى للديمقراطية؟!


في اللغة السلفية تعود إلى كلمة سلف أي ما سبق، أما دينيا فهو يتمثل في منهج ديني يتبنى اتباعه فهم الإسلام بناء على فهم سلف الصحابة والتابعين. وبغض النظر عن تلك المعاني اللغوية أو الموضوعية، فمجازاً، ووفقاً لبعض وجهات النظر المختصة، ارتبطت مفردة السلفية بتيارات وجماعات سياسية ودينية توصف أحياناً كثيرة بالتعصب والتمسك بظاهر النص ورفض دور العقل، أو أن يكون دور العقل محصوراً في إطار النقل فقط. ليس هذا ما أود طرق سبيله، وإنما ما أريد أن أذهب إليه هو الحديث عن ظاهرة "السلفنة السياسية"! وما أقصده بالسلفنة السياسية لا شأن له بتيارات أو المذاهب أو التفسيرات الدينية للمدرسة السلفية. فالسلفنة السياسية هي طريقة أو منهج للتفكير السياسي قد استفحل اعتماله في سلوك وأفكار الكثير ممن يعمل أو ينشط في الحقل السياسي الميداني. إن السلفنة السياسية لا تكتفي بالانتقاء من الماضي أو ظاهر النصوص، وإنما تحاول اجتزاء أنصاف الحقائق لصالح تفسير خاص أحادي يؤدي الى اثبات وجهة نظرها. ولا يقف الأمر عند ذلك الحد الآثم من التفكير، وإنما يتعاده إلى تكفير الرأي الآخر سياسياً، بل إن السلفنة السياسية تعتبر رأيها هو الأوحد والأحق ولا يوجد لديها أي هامش من نسبية الخطأ، وهذا ما يجعل صفة التعصب الفكري قريناً لها. وعلى ذلك من الممكن أن ينطبق هذا التعريف للسلفنة السياسية على التيارات أو الشخصيات الليبرالية والعلمانية والغربية جنباً إلى جنب مع الكثير من التيارات الإسلامية سواء كانت شيعية أم سنية أو غيرها.
السلفنة الفكرية التي تُولد نهجاً سياسيا ينظر من خلاله بعض الأفراد المختلفون في المجتمع لبعضهم البعض يُولّد نظرة "صفرية"، بمعنى الضدية التامة غير القابلة للالتقاء إطلاقاً. تعتري هذه السلفنة أيضا حالة من الشخصانية الاختزالية التي قوامها الخلط بين مجال السلوك أو الفكر الخاص بالمجال العام. وبمعنى آخر، أن يكون الحكم على الآخر مؤطر في شخصية الآخر وفي حدود موقف أو فكرة التصقت به تاريخياً أو ظرفيا. على سبيل المثال، أن يكون الحكم على الشخص من خلال رأي أو موقف سياسي معين صدر منه في وقت ما وتحت ظرف معين، وبالتالي يستخدم ذلك كحاجز ومانع دائم للتعامل معه في إطار مشروع عام. وبهذا تتحول السلفنة الفكرية إلى نهج إقصائي وحكم مطلق مستديم، بخلاف الطبيعة النسبية للعمل السياسي، وهو الأمر الذي يقود إلى عقم سياسي يعاني منه المجتمع بجميع أطيافه الفكرية والسياسية والحركية، ولا يقود إلا لشيء واحد يتمثل في "تغول" السلطة التي كثيراً ما تدفع وتنتفع من هذه الحالة لكي تمضي في استمرارية نهجها حتى لو كان أثره سلبيا على جميع المسلفنين سياسياً.
ومع هذه السلفنة، تتقلص مساحة التسامح في الاختلاف السياسي وتنبت بين جدرانها الطويلة والمرتفعة "أفطوريات" سامة تستهدف التطور الديمقراطي، فضلاً عن هدر عناصر العدالة والمساواة، واستشراء حالة التفوق، وتفشي السادية السياسية بين أطياف المجتمع الواحد لتحيل وحدته الوطنية الى الأجداث. التقلص أو التقوقع في إطار المجموعة الدينية أو السياسية أو الاجتماعية يعد من أعظم الأخطار التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية وتحديدا الخليجية. ولا شك في أن الحالة السياسية في الكويت لا تختلف عن ذلك السياق بل هي تشكل أنموذجاً لها من حيث إن النظام السياسي ديمقراطي دستوري الشكل بيد إن مجريات الواقع تسير بصورة متناقضة عما يفترض أن تكون عليه في المجتمعات الديمقراطية الأكثر انفتاحاً! هذه الحالة المتناقضة والمستفحلة هي نتيجة طبيعية للنظرة الصفرية المتولدة أساساً من السلفنة السياسية التي غدت مستشرية عموديا وأفقيا بين معظم إن لم يكن كافة أطياف المجتمع الموزعة سياسياً وطائفياً وفئوياً.
وإذا ما عزلنا السلطة عن قائمة المستفيدين أو المتضررين من هذه الحالة، فإن الأكثر ضررا هي الفئات الأقل تأثيرا في الحدث السياسي، بينما يكون أفراد محددين في هذه المجاميع المتضررة هم الأكثر استفادة! فكيف يكون ذلك؟ في أي حالة ركود أو حرب أو أي ظاهرة يدفع ثمنها أغلبية الناس يكون هنالك اقلية مستفيدة تسمى بمجموعة "مقتنصي الفرص"، وهذه هي حقيقة تاريخية. وفي حالة السلفنة السياسية، التي تبني جدراناً عالية بين أطياف المجتمع الواحد، يكون هناك ثمة مجموعات صغيرة تقف فوق تلك الجدران وتخرج مرتدية ثياب المحاربين في حين أن هؤلاء هم الوحيدون الذين يتمتعون باستنشاق الهواء النقي والاستفراد بحظوة الشهرة وسعة المكان، بينما يكون الآخرون محبوسين بين تلك الحيطان تزكم انفاسهم روائح الأفطوريات السامة. القلة المتربعة فوق عروش التمثيل القسري هي التي تستفيد من مقدرات الدولة وتستمد وجودها مع علو تلك الجدران، بينما ينشغل الأفراد في المزيد من الانعزال في "جيتوات" تحكمها عقلية صفرية تؤمن بحتمية الانتصار الوهمي الموعود الذي مفاده القضاء على الآخر!
ولكي أقارب هذه الإشكالية أكثر، دعني أضرب بعض الأمثلة الموجعة. إن ما سمي بالحراك الشعبي في الكويت في غضون عام 2012 والذي تزامن ما عرف بالربيع العربي قد اعتلى صوته الأجش نبرة طائفية إقصائية استغلت الظرف السياسي الخارجي والداخلي كي تمارس سلفنتها السياسية وتحقق شعبيتها من خلال خلط لأوراق سياسية مستحقة بأخرى باطلة، فتحول بذلك حاصلاً كبيراً منها إلى كلمة حق يراد منها باطل. لقد اختطفت سلفنة الحراك الشعبي صفته الشعبية واختزلته في بوتقات طائفية وفئوية، وأبطلت جميع استحقاقاته السياسية كمن قبيل محاربة الفساد والرشوة السياسية. ولقد برهنت الأيام بأن أغلبية أقطاب السلفنة السياسية للحراك قد تملصوا من حلفائهم إن لم ينقلبوا عليهم ليتركوهم في العراء السياسي مشردين أو مسجونين. لقد غفل بعض الذين شاركوا في ذلك الحراك والذين استهدفوا الإصلاح السياسي والمكافحين للرشوة السياسية، عن خطورة وحجم الانتهازيين المشاركين في ذلك الحراك والذين دون شك قد تأثروا بهذه السلفنة السياسية. كما لم يكن تقدير هؤلاء السياسيين الصادقين في مآربهم الإصلاحية تداعيات العزل القسري من قبل نظرائهم في الوطن، وهذا بالفعل ما جعل عملية الاستفراد بهم لاحقاً تكون سهلة.
والمثال الآخر الذي يمكن استخدامه في هذه المقاربة، هو ما يجنح إليه الكثير من جمهور المواطنين الشيعة، الذين هم ايضاً لم يسلموا من تبعات هذه السلفنة السياسية التي رُوجت لهم من قبل من تصدروا المشهد والتمثيل السياسي القسري للطائفة. وليس الأمر محصورا بالجمهور الشيعي العام سريع التفاعل العاطفي فحسب، بل ما هو أهم هو امتثال طوعي للكثير من مثقفي المواطنين الشيعة لهذه السلفنة التي أفقدتهم مساحة الحراك والتحرك في المعترك السياسي عندما افتقدوا النظرة الواقعية لطبيعة النسبية السياسة في العمل والرأي. فحتى الوقت الراهن، ومع التوقعات لتغييرات قادمة في مجريات الأحداث السياسية لا تزال بعض من هذه النخب الثقافية والأكاديمية محبوسة في إطار السلفنة السياسية، بحيث لا تستطيع أن تتعامل مع الآخر في مساحات مشتركة وتتقبل حالة الاختلاف معه في ذات الوقت. هذا الغياب لمفهوم الطبيعة النسبية للعمل والرأي السياسي لا يمكن أن يقود إلا لمزيد من التحجيم والتأطير والتقوقع والعيش في وسط الأفطوريات السامة التي لا شك في إنها ستتكاثر وستفضي إلى هلاك سياسي لمن حولها، وهذا بالضبط ما يقود الى انحدار الحالة الديمقراطية ويمنع تطورها الطبيعي مثلما يجب أن يكون. والمخرج، إذن، هو بالتخلي عن تلك السلفنة السياسية الصفرية والخروج سريعاً إلى ساحة سياسية أكثر تسامحا بحيث تكون أكثر قبولاً للنسبية والواقعية السياسية المتوازنة وفي إطار العمل الديمقراطي المتاح والمباح.