الصراع الأذربيجاني ــ الأرميني


انهار الاتحاد السوفييتي وخلف تركة ثقيلة من الجمهوريات المستقلة، وبالرغم من أنه لاتزال كلمة روسيا الاتحادية حاضرة فيها اليوم عن طريق النفوذ التاريخي، فالمشاكل متعددة فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي سنة 1991 ومشاكل الجمهوريات المستقلة بدأت تظهر للسطح مع الشيشان وأبخازيا وجورجيا واليوم المشكل الحدودي الذي افتعله ستالين ما بين أذربيجان وأرمينيا لتثبيت نفوذ الاتحاد السوفييتي بالمنطقة، والذي لازال يلقي بظلاله المشؤومة على الأمن والسلم الدوليين.
"ناغورني قره باغ" إقليم يقع داخل أراضي أذربيجان التي تتنازع عليه مع أرمينيا الداعمة لانفصاله، وأدى هذا النزاع إلى حرب بينهما وقعت فيها مذابح وأعمال وحشية وتهجير، خاصة في حق سكانه من الأذريين، وتعد مشكلته من أطول وأعقد الأزمات التي تفجرت في مناطق الاتحاد السوفيتي إثر انهياره عام 1991.
تعود جذور النزاع بين أذربيجان وأرمينيا على إقليم "ناغورني قره باغ" إلى عشرينيات القرن الماضي، عندما قرر جوزيف ستالين عام 1923 ضم الإقليم -الذي كانت تقطنه أغلبية أرمينية في ذلك الوقت- إلى أذربيجان ومنحه حكما ذاتيا، وفي الوقت نفسه أبقى إقليم "ناختشيفان" بأغلبيته الأذرية معزولا داخل أرمينيا، وذلك لزرع بذور صراع بين الدولتين يضمن للحكومة المركزية في موسكو نفوذا دائما.
وتزامنا مع انهيار الاتحاد السوفيتي، أعلن أرمن الإقليم الانفصال عن أذربيجان، فأرسلت حكومة أذربيجان قوات إليه محاولة استعادته. وبدورها ساندت أرمينيا أرمن قره باغ؛ فبدأت الحرب التي أودت بحياة أكثر من 30 ألف شخص من الأذريين والأرمن.
وفضلا عن الخسائر في الأرواح؛ أرست الحرب حقائق ديموغرافية وجغرافية جديدة؛ فقد تسبب الصراع في حركة لجوء في الاتجاهين قُدرت بأكثر من 1.2 مليون، أغلبهم من الأذريين، وبسببها أصبح أغلب سكان الإقليم من الأرمن.
وبينما تطالب أذربيجان بعودة الإقليم إلى سلطتها، وتعرض على الأرمن فيه سلطات استقلالية واسعة في سياق حكم ذاتي حلا للأزمة، تدعم أرمينيا انفصاله عن أذربيجان، وتقدم مساعدات لسلطته الانفصالية التي غيّرت اسمه إلى "آرتساخ".
استمر الصراع والمناوشات بين البلدين فترات طويلة ومتقطعة بالرغم من وقف إطلاق النار الهش الذي وقع برعاية أممية عام 1994، وخلال الثلاثة أيام الماضية تجدد الصراع وبدأت الحرب فعليا في منطقة القوقاز، حيث شنّت أرمينيا هجوما مفاجئا على موقع القوات المسلحة الأذربيجانية بالمدفعية الثقيلة، وخلال ثلاثة أيام قُتِل 15 جنديا ومدني واحد، ليبدو الآن أن الصراع الذي يمتد عمره لأكثر من ثلاثين عاما قد يكون بؤرة جديدة للصراع الإقليمي، حيث تدعم روسيا التي تُغذّي الطرفين بالأسلحة أرمينيا، في حين تدعم تركيا التي تجمعها بحليف موسكو أزمة تاريخية تتعلق بمذابح الأرمن عام 1915 أذربيجان، فيما تحرص الدول الغربية التي تُعنى في المقام الأول بحقول النفط والغاز الأذربيجانية في بحر قزوين على حل النزاع عبر عملية المفاوضات الممتدة منذ عقود في إطار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
في ضوء ذلك، يساعد وجود النفط والغاز الوفير في الأراضي الأذربيجانية على استمرار سباق التسلح الذي تستفيد منه روسيا، حيث يفتح المجال لإنفاق عسكري ضخم، فقد تمكّنت أذربيجان ما بين عامَيْ 2004-2014 من زيادة إنفاقها العسكري عشرين مرة، وهي أرقام دفعت الرئيس الأذربيجاني إلى التفاخر أن ميزانية بلاده العسكرية أكبر من ميزانية أرمينيا كاملة، وكذلك لم تتوانَ أرمينيا، التي منحتها السيطرة على المرتفعات الاستراتيجية في وحول الإقليم ميزة قوية، عن أن تكون شريكا وثيقا في الدفاع الجوي والترتيبات العسكرية الأخرى مع روسيا، متغلبة على أوضاعها الاقتصادية الصعبة الناجمة عن نقص الموارد وما تسبّبت به الحدود المغلقة لها مع تركيا وأذربيجان.
وبرغم استبعاد أن تتمخض التطورات الأخيرة في الصراع الأذربيجاني والأرميني عن تدخُّل كلٍّ من الروس والأتراك في صراع مباشر، حيث إن ليس لكليهما مصلحة الآن في خلق جبهة حرب ساخنة جديدة، فإنه لا يستبعد، خاصة مع استئناف القتال الآن، أن تدفع أي تطورات جديدة على تطويل أمد النزاع بين الطرفين، وبدخول داعمين رئيسيين كتركيا وروسيا ودول كبرى أخرى بهدف اغتنام مكاسب اقتصادية.
والله من وراء القصد.