طعم موريتانيا..


أجلس على حرف بلاد العرب. صوت مزمارٍ لغريب، وأنا مسنداً ظهري إلى المحيط الأطلسي وأمامي امتداد الصحراء الكبرى تفصل بيني وبين أقصى شرق العالم العربي.. بيد دونها بيد، هنا في آخر القافية العربية. أحط الرّحال وتقف القافلة بي في أرض موريتانيا. بلاد شنقيط وشعرائها المليون، وطن "الموريسك" والرجال الملثمين.. يعلق بذاكرتي ومضة من بعيد وأنا أُفتش يافعاً في الخارطة فتقع عيناي على موقعها المتقصِّ من الكويت: آه.. لو يوماً أزورها. وها أنا اليوم مثل رسولٍ آتٍ من زمن آخر.. أحقق حلم ذلك الفتى.. الذي غفى على الخارطة ووقفت به الأيام عند ذاك المكان. مطار نواكشوط وحركة القدوم مكتظة بالآتين من مالي والسنغال وغينيا والمغرب، وإجراءات المطار بوجود تهديد "الكورونا" تبدو بطيئة. أخرج للهواء مع نسائم فجر رطبة والحرارة معتدلة. شوارع العاصمة من أول نظرة توحي ببلد نامٍ وبسيط، البناءات ذوات طابقين أو ثلاثة.. والشوارع يسكن جوانبها سافي الرمل، وموريتانيا عموماً بلد صحراوي بامتياز فمساحته بأربعة ملايين كيلومتراتها المربعة تشكل فيها الصحراء نسبة 98 %؜.. لذلك لم أستغرب هذا الغبار المستمر. بعد قسط النوم الذي وجدت أهميته خاصة مع تنقلي بين المطارات وأوقات الترانزيت الطويلة.. جاء النهار لأقرر جولة تعريفية بالمدينة ولأقصد سوق الإبل التاريخي الذي يسمونه هنا "سوق تنويش".. أتجول بين آلاف الجمال العربية وحيدة السنام وبألوانها الثلاثة (الشعل والوضح والصفر).. وأحتك مع البدو الرحل الذين يتدرعون رداءً أزرق على الغالب.. ويأتون من الشرق من عمق الصحراء الكبرى ليبتاعوا جمالهم ويشترون. أتصور مع أحدهم برغم رفض الغالبية للتصوير الذي يعتقدون أنه من عمل الأباليس.. تلتقط الكاميرا الصورة وصوت الرجل البدوي الموريتاني مردداً هذه "اللزمة" الإذاعية التي لطالما استمعتها تردد في موجات الـ "البي بي سي" العربية على الدوم دعاية بالاستماع إلى برامجها: ".. من نواكشوط إلى الكويت"، أخطر بعدها في ركن من أحد الشوارع على شبان يصبغون الثياب في العراء وأشاهد كيفية عملهم التي تعتبر بدائيةً جداً بمقاييس هذا الزمن وكأنما جاءوا من عصر آخر. المتحف الوطني وساحة الحرية محطات سريعة في جولة النهار القيظي.. قبل زوال الشمس الذي قصدت فيه التحرك إلى سوق الأسماك المزدحم بالمتبضعين والسوّاح، فبعد رجوع "الحواته" وهم صيادو السمك باللغة الحسنية.. يكون الساحل مسرحاً واسعاً للمشاهدة، تصطف على الشاطئ القوارب الخشبية الكثيرة بألوانها الزرقاء والصفراء وتحوم النوارس في الأفق بكثافة لم أشاهد نظيراً لها من قبل، ويفترش الناس صدر الخط الفاصل بين التراب والبحر ويلهو الأطفال وتسرج الخيل وينفجر الغروب.. وفي غمرة النظر الجميل أسحب مقعداً على البحر وأطلب شرب الأتاي أو "الشاي الموريتاني" اللذيذ، ومن يزور هذه البلاد ولم يتذوق كأسها فقد فاته طعم موريتانيا.