طبيعة وإدارة الجهل والتجهيل وتطوره


الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ويحب التجمعات، لكن صفة الحسد والضغينة والجدال والتعايش، والصراع كلها من صفات البشر، وبتطور المجتمع تكونت القبائل والشعوب، أصبح فيهم القاضي والمهندس والسياسي والمحاسب والفنان والطبيب، فكان منهم الرئيس ومنهم المرؤوس. ظهرت الفلسفة ومفاهيمها منذ بداية تاريخ حضارة بلاد ما بين النّهرين والحضارة المصرية والحضارة اليونانية والحضارة الصينية، ثم الحضارة الصينية، كل تلك الحضارات تميزت بالحكمة والعلم والإدارة وظهر التطور في الآلة رغم الصراعات والحروب بينهم.
منذ بداية القرن الحالي اهتمت الدول بدراسة موضوع (الجهل والتجهيل)، فحاولت إدارة المجتمعات والدول بجميع الاتجاهات التأثير عليها وتحقيق النتائج لمستقبل تلك المجتمعات والدول من خلال طرح مفاهيم وأفكار تنظيمات لشعب جاهل، مما أدى إلى تقسيم وتجزئة تلك الدول، فكم من الدول ضاعت بسبب عدم إدارة ومتابعة جهل وتجهيل شعبها في التاريخ.
 
تعريف الإدارة والجهل والعلم
ظهر مفهوم الإدارة في القرن الثامن عشر منهم "تيلر وفويل" وغيرهم، ومثلهم آدم سميث في تأكيده على تقسيم العمل والضرائب وغبرها.
عرفت الإدارة بعدد من التعريفات، منها "الإدارة مجموعة وظائف كالتخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة". كل هذه الوظائف لها مفاهيمها الخاصة والإدارة ساهمت ببناء العلم.
العلم في اللغة كلمة مشتقة من الفعل (عَلِم) أي أدرك، وقال علماء اللغة إنه الإشارة والعلامة والدلالة، ويأتي بمعنى الأثر والشعور الذي يستدل به فهو في النور والحقيقة.
أما الجهل فهو عكس العلم، جهل الأمر أي خفي عنه، ويسمى الفاعل فيه جاهل، والمفعول له هو المجهول.
يمكن التمييز بين العلم والمعرفة والجهل:
العلم يهتم بمضمون الموضوع وجوهره والإحاطة به من كل الجوانب.
أما المعرفة فتهتم بموضوع ما وبشكل ما.
أما الجهل فيقسم إلى ثلاثة أقسام:
- الجهل البسيط: فهم مسألة ما دون الإحاطة الكاملة بها.
- الجهل الكامل: صاحبها لا يعلم عن المسألة شيئاً.
- الجهل المركب: وهو أسوأ أنواع الجهل، حيث يعتبر الشخص نفسه جازماً عالماً وهو عكس ذلك. ويطلق هذا التعبير من الجهل على من يدعي ما لا يعلم ولا يعترف بجهله.
وأطلق عليه "علم الجهل"، حيث بدأ بالظهور والتطور منذ انعقاد مؤتمر "هنري كامبل بانيرمان" عام (1906) في لندن ولمدة شهر تم فيه رسم السياسة المتعلقة بالمنطقة العربية قبيل انهيار الدولة العثمانية. أهم تلك السياسات طلب الدولة العربية تأشيرة دخول المواطن العربي من التبعية العثمانية. وهناك مؤسسات متخصصة في هندسة الجهل تابعة لحكومات دول عظمى تهتم بتسويقه وعلى نطاق واسع بعد صناعته وتغليفه بأرقى الأشكال، أما المستهلكون لهذه السلعة فيمكن تقسيمهم إلى ثلاث فئات:
1- الفقراء في المجتمع وأكثرهم من المناطق النائية والريف وعمال البلديات وعمال المزارع والأقليات الدينية والاجتماعية وما شابه من هذه التصنيفات. لكن ما يثير الاستغراب انضمام بعض أساتذة الجامعات والمدارس للفئة المستهدفة من هذه السلعة الملعونة.
2- المتدينون المستسلمون للقدر لهم الدور الكبير بتجهيل أكبر عدد ممكن من الناس الذين لديهم ميول دينية متطرفة، لإيمانهم بالقدرية فالقدر بالنسبة لهم لا يتغير.
3- المغفلون الذين يعملون في حكومات الدول الفقيرة "فئة التكنوقراط" هم الفنيون الذين يقدمون النصح والمشورة لمتخذي القرار في دولهم، يتم تدريبهم على تمرير الجهل وتبريره تحت ما يسمى "النظرية والعلم والإمكانيات والموارد"، إذ تنحصر مهامهم في بث روح اليأس في نفس صاحب القرار من إمكانية الإصلاح وممارسة الكذب وترسيخه في أذهان عامة الناس على أنها حقائق لابد من الدفاع عنها.
في الستينيات ظهر متخصص في اللغة "بلومز"، حيث صنف الكلام إلى ستة أصناف وهي "المعرفة، الاستيعاب، التطبيق، التحليل، التركيب، التقييم". وكل منها تحتوي العديد من الأفعال بالمعرفة باللغة، فتم التوجه إليها في العديد من بحوث المنطق والتحليل النفسي واستعملت في التعليم وخاصة في مساقات الجامعات ليتم التوصل إلى فاعلية المعلومة للطالب ومدى اكتسابها وقياس عمل الأستاذ الجامعي لأداء مهمته بشكل كامل للمادة العلمية. وقياسات كثيرة في المواد كالإحصاء وبحوث العمليات وتطبيقات حاسوبية بينت كفاءة المعلومة لدى المتعلم والمعلم.
التكنولوجيا المهيمنة على كوكب الأرض أنجبت (الإنترنت، الواتس أب، تويتر، سناب شات، الفيسبوك، اليوتيوب.. وغيرها)، أدت إلى إبعاد الفرد عن فكره وحاجته وإنتاجه أنه موضوع معقد في إدارة المعرفة مَن المستفيد؟ وفرضوا سلطتهم على القلوب والمشاعر وزادت التباعد الاجتماعي، فلم يعد هناك متسع لنا إلا في قلوب الأوفياء الباقون على أصالتهم وقيمهم يقاومون رياح التغيير وسطوة المحتلين الجدد.
لو حاولنا التحقق من صحة الجهل وغير الجهل لبعض المعلومات المرسلة ومدى صحتها والتعامل معها
هل الجهل كموضوع هو نفسه في المجتمعات مختلفة الأجناس والتقاليد والأعراف والطباع؟
هل المستخدم العربي يتعامل بالمطلوبات كما يتعامل بها الغير عربي؟
هل الجهل في المعلومات والثقافة عموماً هي نفسها في المجتمعات المختلفة؟
ما المطلوب لإزالة الجهل في المجتمع وتوحيد هوية الفرد في هذا الموضوع؟
نستطيع القول إن الجهل من المواضيع القديمة قِدم البشر، وهو محبط للقيم والأنظمة والتقدم وللتغلب عليه وجوب تطبيق نظريات مختلفة على الفرد وعلى المجتمع وبالتالي على الدول المختلفة.
- على المستوى الدولي الغاية الإيجابية هي المعرفة في كيفية إدارة الجهل بزيادة الوعي من خلال أساليب الدراسة المستمرة واليقظة بعدم إعطاء الفرص لتحقيق الغايات لزيادة الجهل.
- على مستوي المنظمات الذين يشكلون أفراد المجتمع أن يكونوا أكثر وعياً في عملهم الفني ورفع كفاءتهم الوظيفية والمعرفية وبناء التميز المستمر بالتحفيز والتشجيع باستخدام الوسائل العلمية والعملية الناجحة.
- أما بناء الفرد وتوعيته وحصانته من الجهل والتجهيل هي مسؤولية الدولة أولاً والمجتمع ثانياً.