التمثيل السياسي - الاجتماعي «القسري»


يعرف برنارد ويبلز التمثيل السياسي على أنه "العملية التي يقوم فيها فرد أو مجموعة من الأفراد التقرير بإسم أفراد وجماعات أخرى في مجال صنع القرارات والسياسات وقوانين الحكم"، بينما يذهب سيرج موسكوفيتشتي إلى أن التمثيل الاجتماعي هو "توفر رمز اتصال مشترك لتسمية وتصنيف بطريقة جماعية الجوانب المختلفة من العالم الذي نعيش في".
في كلا المفهومين اختلاف وتشابه. الاختلاف يقع في ماهية التمثيل لكلٍ منها، فأحد صور التمثيل السياسي هو اختيار الشعب من يمثله في الحكومة، سواء في السلطة التنفيذية والتشريعية أو في كليهما عن طريق الانتخاب، بينما التمثيل الاجتماعي فهو عبارة عن إدراك معرفي ناتج عن تصورات الفرد أو الجماعة عن مفردات الواقع ومشاهده التي تتراكم بفعل الممارسة والانطباعات الناتجة عنها والتي تولد تصورات في مخيال الأفراد عن بعضهم البعض بغض النظر عن صحتها ودقتها لمقاربة هذا الواقع.
أما وجه التشابه بين كل من التمثيل السياسي والاجتماعي من حيث إطلاق عمومية الحكم عن الأفراد من خلال من يمثلهم ومسؤوليتهم عما يقوم به من أفعال!
وتكمن الخطورة في هذا التشابه بين المفهومين في تركيب التصور أو الانطباع العام عن مجموعة بشرية من خلال سلوك وممارسات من يعتقد بأنه ممثل لهم، حينها يتم تحميل مسؤولية أعماله على المجموعة بأكملها.. وتكون الخطورة أعظم إذا كان ذلك التمثيل "قسرياً".
في مجتمعاتنا العربية عموماً وفي مجتمعنا الكويتي خصوصاً، تعتمل تصورات التمثيل الاجتماعي والسياسي قسرياً ويتم الحكم على كل جماعة إثنية أو دينية أو أسرية أو قبلية من خلال من يتصور قسرياً بأنه ممثل لها، ليتم بعد ذلك إطلاق حكم عام عليها وتحميلها المسؤولية من خلال فعل من يعتقد بأنه ممثل لها!
في مجتمعنا الصغير، لدينا واجهات سياسية اختزلت في معظم الأحيان بما يطلق عليهم ممثلو الأمة (نواب مجلس الأمة) أو الواجهات الاجتماعية من شخصيات دينية أو تجارية أو غيرها ممن أوجد لنفسه حيزاً في مربع الفعل الاجتماعي. وفي الواقع ليس هناك تمثيل سياسي واجتماعي حقيقي وإنما مجرد انطباعات أو تطويع تصوري سياسي ناتج من تصور خادع فرضته السلطة من جانب ونخب المنافع السياسية من جانب آخر.
هذه الظاهرة آخذةٌ في التفاعل والتكاثر والتعزيز أكثر تزامناً مع ضعف المؤسسية التي تميز المجتمعات المتقدمة عن المتخلفة. ولا شك في أنها آخذة في الاستفحال في مجتمعنا نتيجة الانحدار في درجة الاستقلالية المؤسسية وتواضع أدائها المهني لحساب الشخصانية والخصوصية التي يقوم بها من يتولى مسؤولياتها لكي تعزز مفهوم التمثيل القسري المفروض في الانطباع الجمعي مما ينتج عنه حصيلة ظواهر سلبية عنوانها الرئيسي يتمثل في الفساد وهو المرض الذي يعاني منها الجميع.
على المستوى الفردي، يجد الكثير منا محكوما بهذا التمثيل القسري المفروض عليه نخبوياً وسلطوياً دونما أن يجد وسيلة عقلانية لإقناع نظيره المواطن بأنه لا علاقة له بهذه المنظومة التمثيلية. وبهذا الشكل، نحن كأفراد محكومين بهذه التصورات والمدركات التي لها متعاملون حقيقيون كثر في الواقع العملي مما يصعب التخلص منها.
إن التمثيل الاجتماعي السياسي يحكم تفسيرنا للمشاهد والوقائع السياسية اليومية المناطة في حقيقتها بمصالح أو نخب صغيرة لا تمثل المجتمع بأي حال من الأحوال لكنها مفروضة بشكل قسري عليه، ليتحمل الأفراد دونما أن يكون لهم ناقة ولا جمل فيما يعتقد بأنه يمثلهم!
هذه المعضلة الفكرية ترمي بظلالها الوخيمة على مسار التطور السياسي والاجتماعي للدولة وتحيل مؤسساتها إلى التعفن السياسي المبكر، وهو ما يحدث بالفعل من حيث تواضع أدائها وحوكمتها وشفافيتها، بل إن هذه المعضلة تهدد مقومات الدولة التي تقوم على أسس الحرية والمساواة والعدالة والمواطنة، ومن ثم على الأمن والسلم الأهلي بمفهومة الشامل، الأمر الذي يتصاعد طردياً مع مرور وتعزيز هذه الممارسات التمثيلية القسرية لكي نجد انفسنا ومجتمعنا خارج إطار التسلسل التطوري الذي تقصده دولة القانون والدستور الحديثة.
السبيل الوحيد، في الخلاص من هذا التمثيل القسري هو بإعادة تركيب مفهوم التمثيل السياسي، ونبذ التمثيلات الاجتماعية المخادعة لتحل مكانها دولة قانون ومؤسسات تقوم على أسباب ومقاصد بعيدة عن أمراض المحاصصة أو التعزيز لأنماط الصور الاجتماعية البالية التي ينتفع منها القليل في مقابل خسارة الغالية الساحقة من المجتمع. لعل بعض النخب السياسية أو السلطة تكسب من خلف هذا التمثيل القسري على المدى القصير، إلا أنه من المؤكد أن نتائجه ومحصلته النهائية ستكون وبالاً على الجميع دون تمييز على المدى البعيد.
خلاصة القول، دعونا نتخلص من هذا التمثيل المخادع الذي أضر بالبلاد والعباد، ودعونا نتحرر من الأحكام المسبقة تجاه بعضنا البعض نتيجة هذا التمثيل المزيف، ودعونا نقولها بصوت واحد إن من يمثلنا ويمثل الأمة بحق هو النزيه المدافع عن الحق بمسطرة وطنية واحدة لا تميّز هذا عن ذاك ولا تقترف الإثم من خلال الأحكام المسبقة وتستخدم القوالب المعلَّبة من أجل المصالح الشخصية.