كورونا والاقتصاد


يعيش العالم اليوم وضعا غير مألوف، فمعظم سكان المعمورة لم يشهدوا أحداثا مماثلة لما يقع اليوم جراء الوباء المعروف بكورونا، إذ يعد هذا الوضع استثنائيا من مختلف الجوانب وسيشكل لا محالة منعطفا كبيرا في تاريخ الإنسانية جمعاء، ليس لخطورته فحسب، بل لآثاره الوخيمة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي كذلك، فكما هو معروف أثارت مخاطر الأوبئة والأمراض عبر العصور الكثير من الأسئلة والإشكاليات، وهو نفس النقاش الذي تطرحه الآن جائحة كورونا باعتبارها وباء عالميا، أثر بشكل مباشر على المعاملات الدولية البشرية والتجارية والسياسية، حيث فرض تفشي الوباء على الشعوب اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير الاحترازية، العزل والحجر الصحي والتباعد الاجتماعي ومنع السفر، مما انعكس سلبا على الاقتصاد، حيث أصبح يعيش حالة من الركود الحاد والانكماش المفاجئ، وبالتالي ظهور أزمة اقتصادية عالمية غير متوقعة.
فيما كانت التوقعات الاقتصادية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2020 تتنبأ بسنة من النمو الثابت إن لم يكن بالنمو المتزايد، جاء تفشي الفيروس التاجي، وسبب صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي، فقد خفضت المنظمة توقعاتها إلى النصف من 2.9% إلى 1.5%، وربما تسوء الأمور أكثر إلى درجة تسجيل عجز في الدخل العالمي بقيمة 2000 مليار دولار، مما يعني انهيار الاقتصاد العالمي بصفة كلية، ما يشبه الكساد الكبير الذي أعقب الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 1929 حيث لم تسلم منها أي دولة سواء الدول المتقدمة أو النامية بحكم الترابط العالمي بين اقتصاديات الدول.
منذ تفشيه لايزال فيروس كورونا يعيث في الاقتصاد العالمي دمارا حتى أصابه بالشلل، فقد عرقل الإنتاج والإمداد والنقل الجوي عبر العالم، وأضعف الطلب العالمي، وعزل دولا ووضعها تحت الحجر الصحي، وأخرى تحت حظر التجول، وأصاب قطاعات المال والطيران والنقل والسياحة بخسائر فادحة.
ونظراً لعدم قدرة العالم على تحديد موعد نهاية الفايروس، ستكون الأزمة على الأرجح طويلة، وسيصبح كلُّ من المستهلك والمستثمر أكثر حذراً وترقباً لاحتمال حصول موجة أخرى. وبما أن العجلة الاقتصادية تتأثر أيضاً بالناحية المعنوية والنفسية، فإن الحجر الصحي الطويل والخسائر الكبيرة، سواء أكانت مادية أو في الأرواح، والخوف من المستقبل، وفقدان الوظائف، وفقدان المقربين، سيجعل المستهلكين والمستثمرين يتردَّدون كثيراً في المخاطرة ومعاودة النشاط العادي. مما سيؤجل عودة النمو الطبيعي وتحريك العجلة الاقتصادية.
وعلى العموم فلقِصَر الفترة الزمنية منذ بداية الأزمة، لم تبرز بعد التداعيات الاقتصادية طويلة الأجل. ولكن في حال استمرار الأزمة، وانعدام تبنّي سياسات مالية ونقدية لمعالجتها، من المتوقع أن يشهد الاقتصاد العالمي ما يلي:
- إفلاس الشركات غير القادرة على تغطية التزاماتها المالية، كجزءٍ من حلقة انكماشٍ اقتصادي مفرغة.
- إفلاس الأفراد غير القادرين على تسديد ديونهم، مثل قروض العقار والسيارات، كجزءٍ من حلقة انكماشٍ اقتصادي مفرغة.
- تسريح الموظفين الذين يعملون في شركات أصبحت غير قادرة على دفع رواتبهم، كجزءٍ من حلقة انكماشٍ اقتصادي مفرغة.
- انهيار النظام المالي بسبب الضغط على السيولة.
- تراجعٌ في العولمة، وارتفاعٌ في الاكتفاء الذاتي في سلاسل الإنتاج لكل دولة، سعياً لتفادي أزماتٍ اقتصاديةٍ مستقبليةٍ مماثلة، ولكن على حساب الارتفاع في مستوى المعيشة الذي تسببه العولمة.
وفي انتظار حلول عملية وواقعية لمعالجة الأوضاع الاقتصادية ببرامج استباقية وواقعية وسريعة، يبقى الاقتصاد العالمي مهدد بكساد وانهيار وشيك.. والله من وراء القصد.