تحالفات الغاز في حوض المتوسط... هل تقود إلى حروب؟


على خلفية الاكتشافات الحديثة في منطقة شرق المتوسط، شهدت المنطقة نوعًا من أنواع التحالف والتحالف المضاد في إطار التنافس والصراع بين دول المنطقة؛ حيث اتجهت تركيا إلى تعزيز علاقاتها مع حكومة الوفاق الليبية لتأكيد تواجدها في هذه المنطقة في نوفمبر 2019 من خلال اتفاقية لترسيم الحدود البحرية وأخرى للتعاون العسكري والأمني، في حين اتجهت مصر إلى إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط كآلية جماعية للتنسيق بين دول المنطقة فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية في يناير 2019.
وعلى الرغم من الحديث عن اتصالات بين القاهرة وأنقرة وتقارب الرؤى بينهما فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية في منطقة شرق المتوسط، وقّعت القاهرة اتفاقية لترسيم الحدود مع اليونان ما أثار تساؤلات بشأن أسباب توقف المحادثات بين مصر وتركيا وعدم حصول توافق بين الجانبين.
ويمكن إرجاع هذه التوترات إلى مجموعة من الأسباب من أهمها:
1ـ هناك إشكاليات عديدة حول ترسيم الحدود البحرية في هذه المنطقة، خاصة أن هناك دولًا لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في عام 1982، وعلى الرغم من اتجاه عديد من دول المنطقة إلى توقيع اتفاقيات ثنائية لترسيم الحدود إلا أن تركيا لم تعترف بهذه الاتفاقيات وحاولت فرض أمر واقع جديد لاستثمار الثروات المكتشفة حديثًا.
2ـ تسببت الاكتشافات الحديثة للثروات في منطقة شرق المتوسط في زيادة مستوى الصراع بدلًا من التعاون، وهذا الأمر انتقل إلى التأثير في عمق المساحة التي تخص كل دولة فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز، ويجب الإشارة هنا إلى أن اتجاه بعض الدول إلى ترسيم الحدود البحرية في هذه المنطقة لم يمنع تركيا على وجه التحديد من الاستمرار في التنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية الخاصة بكل من قبرص واليونان.
3ـ ليس ملف الغاز هو العامل الوحيد الذي تسبب في زيادة حدة الصراعات بين دول المنطقة ولكنه أضاف بعدًا جديدًا إلى التوترات القديمة بين دول هذه المنطقة؛ فهناك خلاف تركي مع قبرص واليونان حول بعض الجزر في بحر إيجة، وخلاف مصري ـ تركي حول الوضع في ليبيا، ومن ثم فإن الخلافات السياسية القديمة بالأساس لعبت دورًا مهمًا في تعقيد هذه الخلافات حول سيادة كل دولة فيما يتعلق بالتنقيب عن الغاز.
المواجهة في الماضي كانت تشتعل من وقت لآخر عقب صدور تصريحات تركية حول نية أنقرة إرسال سفن للتنقيب عن النفط والغاز قبلة سواحلها الإقليمية، أو قبالة سواحل قبرص اليونانية الخاضعة لتركيا.
لكن المواجهة هذه المرة اتخذت منحنى آخر حيث خطت تركيا خطوات عملية نحو عمليات التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في البحر المتوسط في إطار خطتها الرامية إلى الاكتفاء من مصادر الطاقة التي تمثل وارداتها ضغطاً شديداً على مواردها من النقد الأجنبي.
كما أرسلت الحكومة التركية سفينة ثانية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية تحمل اسم "ياووز"، وأرسلت يوم 4 مايو الماضي سفينة "فاتح"، لتطلق أول شرارة في ملف التنقيب عن الغاز قبالة سواحل شرق قبرص التركية بالبحر المتوسط، وهي المنطقة التي تعتبرها الأطراف الرافضة للخطوة التركية جزءاً من المنطقة الاقتصادية الخاصة بجمهورية قبرص.
لذا فإن الصراع على حقول الغاز مرشح للتصاعد خلال الفترة المقبلة، وقد يتزايد في ظل بحث دول المتوسط عن مصادر للطاقة، سواء لتغطية احتياجات السوق المحلية أو لأغراض التصدير، وإسرائيل هي المستفيد الأول من نشوب أي صراع في المنطقة، إذ ستتيح لها أجواء التوتر السطو على مزيد من حقول النفط، كما سطت من قبل على حقول تقع في المياه الإقليمية لفلسطين ولبنان ومصر.
والحل لا يكمن في اللجوء للقوة، وإنما في الحوار وتقاسم المصالح الاقتصادية واللجوء إلى القانون الدولي، وتحييد الخلافات السياسية وفصلها عن الاقتصادية... والله من وراء القصد.