بعد أن مضت أربعون سنة


على هذا الجانب تتواتر مفردات مثل تنسيق، تنظيم، توحيد البيت، برنامج عمل متفق عليه، وعلى الجانب الآخر تتصاعد أدخنة نيران الصحوة وشعارات الأسلمة، وتنتشر بينها كاسيتات أُسود الكلام! كل تلك المفردات والعبارات التي تظهر «جميلة لمجموعة أو قبيحة لمجموعة أخرى»، قد تعايشت مع كثيرين من جيل السبعينيات والثمانينيات، ومنذ أن خبروا العمل السياسي والاجتماعي في الساحة الكويتية وهم في مقتبل العشرين من أعمارهم ولا يزال الكثير منهم يكررها وهم على مشارف الستين! أربعون سنة قضت ومضى معها قطار العمر، والتنسيق ينعدم، والتنظيم يتبعثر، والبيت أصبح خيالا ووهماً عظيمين، وبرنامج العمل لم يولد حتى يتفق عليه! وأربعون سنة لم تترجم شعارات الصحوة إلا لبرامج عمل كنتينات «بزنس» عابرة للحدود يدفع ثمنها جمهور شباب يطمح لمقابلة الحور العين.
أربعون سنة والتيارات والأحزاب والتوجهات والواجهات «من هذا الفريق وذياك الرفيق» تكاد تكون ذاتها وإن تبدلت بعض مواقعها من الخندق «أ» إلى الخندق «ب»، لا فرق بينهم إلا بالمصالح.
أربعون سنة والبعض فيهم لايزال مخلصاً يبحث عن قشة أمل في كومة محروقة بتيزاب الزمن..
أربعون سنة وهؤلاء يراودون بعضهم البعض فيتفقون ويختلفون ثم يفترقون ثم يعودون معاً ليتفقوا بتواضع عما كانوا إليه يطمحون! وبعدما تعلموا جزءاً من الدرس المر، عادوا مرة أخرى وبخجل من أنفسهم ليفكروا بالاتفاق بعدما أدركوا أنهم قد بالغوا في ذلك الاختلاف، ثم يتقاربون شيئاً قليلاً، ليعودوا إلى عرجونهم القديم ويختلفون مرة ثالثة ورابعة وخامسة بائنة فوق فوهات مجريات الأحداث ليتناحروا سياسياً ثم لا يلبثون إلا أن يجدوا أنفسهم كجزء من تاريخ تافه صنعوه لخداع جماهيرهم المبرمجة عاطفياً!
أربعون سنة تهاوت أوراق أيامها وسقطت أحلامها جراء ما أتى عليها من «توريات» سياسية تسمى بالكلمات الصريحة «تدليس»! يتظاهرون للجمهور العاطفي بكلمات وشعارات الزيف وعلى رأسها المحافظة على بيوت العناكب، وهم في الحقيقة مجرد سياسيين يبحثون عن مصالحهم وتياراتهم وعوائلهم والمقربين منهم، بينما تَرَكُوا شبكات البيوت الواهنة مصائد لبعض الشباب الحالم الطائر!
أربعون سنة وهم لم يبنوا إلا أسوارًا شاهقة بين جمهورهم العاطفي والآخرين بنبرة طائفية بعدما وظفوا أحداثها توظيفا، حتى ابيضت أعين جماهيرهم وأصبحوا لا يَرَوْن إلا من خلال ما تصوره أعين السياسيين المتطلعين للكرسي الأخضر! وخلال تلك السنوات الخريفية الطويلة من عمر الشباب لم يبرهن أغلب هؤلاء السياسيين إلا على شيء واحد يدرسه طلاب التمهيدي في العلوم السياسية ألا وهو «لا عداوات دائمة ولا صداقات دائمة ولكن هناك مصالح فقط»!
والأهم ما في تلك الأربعين سنة التي مضت، هو عدم الوعي بأن الطائفية التي شكلت الحيز الأكبر من حركة التجمعات والتيارات الإسلامية قد كانت ولاتزال بفعل فاعل يهندسها ثم يضع سيناريوهاتها ليخرجها، وبالتالي يسوقها لهم لكي يصدقوها وينشغلوا بأتونها على الرغم من أن الممثلين في مسرحها هم من أتباع أو اقطاب تلك التيارات. وأربعون سنة وهم لايزالون يعتقدون أن الطائفية أصل ثابت وكلي شامل في حركة المصالح السياسية، ولا يعون بأنها مجرد «هندسة كهرومغناطيسية» صنعت في دوائر القوة لكي تحرك شحنات التعصب الداخلي التي أوجدتها تلك التيارات والجماعات في صدور الجماهير ليكون حالة الانجذاب والاستقطاب والتنافر حالات الهيمنة على العقل الفردي والسلوك الجماعي.
لم يعد لنا أربعون سنة أخرى كي تضيع في متاهات ذلك الضياع المؤسف، بل وأشك أن يتبقى لنا ربع تلك الفترة بعدما خسرنا طاقة الشباب وقوة الشكيمة، وبعدما ضاقت بنا فسحة الأمل واقترب الأجل.
إن ما تبقى حقاً هو عصارة تلك الخبرة التي تمثل تركة غنية لو تم الإمعان فيها بصدق لاستخلصنا منها نتائج مهمة نستطيع إهداءها لمن لا يزال يكرر تلك المفردات من الشباب الموهوم والمسحور سياسياً قبل أن تمضي أربعون سنة ليجد نفسه في ذات الموقع الذي نحن فيه الآن....
هذه التركة ممكن أن تكون لا قيمة لها إطلاقاً إن أورثناها كتاريخ صامت لا يطلق صوته العالي من حناجر الوجلين الذين أخلصوا العمل لله إبان ريعان شبابهم.
لذلك، إذا انتظرنا التنسيق والتنظيم والإدارة والريادة والقيادة في العمل السياسي لمجتمع مبعثر على رقعة المصالح الاقتصادية والاجتماعية والشخصية والحزبية، فكل الخشية أنه لن يأتي، بيد إننا حتما سنذهب...
علينا إذن أن نبحث فيما تبقى لنا من بضع سنوات عجاف عن قيم جديدة تنبع من فكر ناضج ناقد حيوي يخرجنا من الصندوق التقليدي الذي حُبسنا به أربعين سنة.
آن لكل واحد منا أن يعجن خبرته الأربعينية في حيز حركته الذاتية واضعا نصب عينيه أن العاقبة للمتقين، لربما يستطيع أن يورث منها خبزاً لسنوات سنبلات خضر كي يعتاش منها أجيال الشباب الحائر في الألغاز السياسية التي صنعتها دوائر القوة والقرار، وصاغت كلماتها جماعات الوهم العظيم وباعتها لجمهور متعطش لحياة راغدة كريمة لم يجدها ولا يزال يبحث عنها.. وبشر الصابرين.