عندما عجز الجميع!


لا يختلف اثنان على أنّ العالَم بعد انتهاء «كورونا» سيكون مغايرًا تمامًا عمّا قبله، وحتى هذه اللحظة لم يجزم أحد بأن هذا الوباء سينتهي إلى الأبد، رغم جميع التصريحات عن بدء مراحل ولادة لقاح في القريب العاجل ينقذ البشرية من هذا الفيروس الصغير، الذي أصاب الحياة بشلل تام، فأغلق حدود الدول البرية والبحرية والجوية لشهور كاملة، ومنع خروج الناس من بيوتهم، وأوصد أبواب دور العبادة أمام البشر على مختلف أطيافهم، محاربًا جميع الديانات، وأوقف المصانع عن التصنيع، وحرم ملايين الطلاب من إكمال عامهم الدراسي، وجمد النشاطات الرياضية، وأغلق أكبر الفنادق والملاهي والمقاهي ودور السينما، وأرهق المنظومات الصحية، فأظهر البشرية عاجزة أمامه، رغم ما حققته من تقدم وتطور في مجالي العلم والطب.. كل هذا بالطبع مع خسائر فادحة على جميع الأصعدة، تتصدرها الخسائر الاقتصادية.
ورغم صعوبة زمن كورونا وما خلفه ومازال يخلفه من آثار سلبية على الاقتصاد العالمي وقطاعي السياحة والطيران بالأخص، إلا أنه نسف بعض المفاهيم الخاطئة، وفي مقدمتها «أن الإنسان صاحب الثروة لا يقهره شيء ما دام له رأس مال يشتري به كل شيء على وجه الأرض، فلا يمكن لأي مخلوق أن يوقف أصحاب الأموال الطائلة»! وسرعان ما وقفت الثروة عاجزة ولم تحرك ساكنًا أمام مخلوق مجهري سجن نصف سكان الكرة الأرضية خلف قضبان وأسوار من الخوف والعزلة، وأثار الرّعب والذّعر في نفوسهم.
وهنا لزامًا علينا أن نحمد الله على هذا الوباء الذي أيقظ فينا روح الإنسانية بعد انشغالنا بالعالم المادي، وبعدما كانت طموحاتنا ومساعينا هي جمع الأموال فقط، فقد أظهر الله عزّ وجل مدى ضعف الإنسان، وأنه مهما بلغ علمه وتقدمه وابتكاره واكتشافاته فإنه سيبقى دومًا غير قادر على تغيير شيء إلا بإرادة الله سبحانه وتعالى.
وختامًا، وها نحن قد اقتربنا من عودة الحياة بصورتها الكاملة كما كانت من قبل، وكما يقال انتشار الأوبئة يشكل دومًا امتحانًا للمجتمعات البشرية، فهل استفادت مجتمعاتنا العربية تحديدًا من «اختبار كورونا» أم ستتجاوزه دون أي إفادة كعادتها في أوقات الأزمات؟ وهل استعدت مجتمعاتنا لما بعد «كورونا» وأدركت أن هناك قضايا أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى كقضية «التعليم عن بعد»؟ وأن هناك سلوكيات وعادات سيئة كان يقوم بها الإنسان وجب تغييرها في هذا الوقت، كعادة الاستهلاك الفائض عن الحاجة وعدم تقدير ثقافة التقشف أو الاكتفاء في جميع استهلاكاتنا؟ هل أدركنا أن الوباء لم يفرق بين الغني والفقير، وبين الدولة المتقدمة والدول الفقيرة؟ وهل بدأنا في رسم خارطة طريق لمرحلة ما بعد انتهاء الجائحة؟ كلها أسئلة سيجيبنا عنها عصر ما بعد «كورونا»!
عدد التعليقات ( 1 )
أحمد شعبان
رائع جدا، بالتوفيق الدائم..