إذا أردنا للرؤية أن تصدق... التغيير ثم التغيير!


لكي تكون الفكرة عملية يتعين اختبارها في الواقع، ومن هنا يمكن لنا أن نقتدي بالتجارب البشرية السابقة فيما لو أردنا بالفعل أن ننجح. وبناء عليه، نستطيع القول بأن نجاح رؤية الكويت 2035 لابد وأن تقترن بالتجارب الدولية السابقة خاصة تلك التي تكون مستلة من الدول التي حققت نجاحا في مسيرتها التنموية. إن إحدى تلك القواعد الأساسية في نجاح تلك التجارب هو التحديث والتجديد الذي يتطلب ثورة فكرية وإدارية وسلوكية في نمط ديناميكية الدولة. هذا التجديد يتوقف على قدرة حكومات الدول على إحداث التغيير في أنماط الاستهلاك والإنتاج في شتى مناحي الحياة، ابتداء بالتفكير والثقافة والتعليم وبنية المؤسسات والقواعد والنظم الإدارية، وبكل تأكيد التغيير في هيمنة النخب السياسية والبيروقراطية والاقتصادية التقليدية. ذلك ليس ضربا في الخيال ولا تنجيما في المحال، بل هو نابع من تجارب عالمية خاضت غمارها دول وحكومات على أوجه متباينة وفعلا لطبيعة المكان والزمان.
أحد الأسئلة المهمة التي حيرت علماء الاقتصاد السياسي هي: كيف استطاعت كل من اليابان وألمانيا تحقيق النجاح الاقتصادي والتنمية بشكل تجاوز الدول التي خرجت منتصرة عليهما بعد الحرب العالمية الثانية؟ فعلى الرغم من احتلالهما وهزيمتهما وإلحاق تدمير كبير فيهما تجاوز ما حدث في بريطانيا وأمريكا وفرنسا، وفرض عقوبات شروط قاسية عليهما بعد الاستسلام، إلا أنهما استطاعا أن يحققا الإنجاز الاقتصادي المبهر الذي جعلهما في الصدارة مقارنة بالدول التي انتصرت؟
هناك تفسيرات عديدة انشغل بها المختصون، إلا أن أحد تلك التفسيرات التي تآلف عليه الأغلب منهم هو أن في هاتين الدولتين تم إحداث تغيير بنيوي في البيئتين السياسية والاقتصادية. في البيئة السياسية تم التخلص من نخب التيارات والأحزاب والفئات وجماعات الضغط والمصالح وبناء نسق سياسي جديد. وعلى صعيد البيئة الاقتصادية، فعلاوة على التخلص من النخب الاقتصادية التقليدية التي كانت تحكم عملية الإنتاج والحركة المالية والتجارية في الدولتين فقد تم التجديد في كل وسائل الإنتاج والتقنيات التصنيعية بخلاف الدول التي انتصرت ولم تزل النخب الاقتصادية الحاكمة فيها تستخدم ذات الأدوات والتقنيات والمصانع والأنساق الإنتاجية. بالتأكيد إننا لا ندعو إلى التخلص من أي نخبة أو فئة أو تيار وإنما إحداث تغيير في هياكل تلك الجماعات علاوة على ضرورة نمو فئات جديدة منافسة تستطيع أن تساهم في جدلية التطوير. وبمعنى آخر، أننا ندعو إلى تغيير فكري وإدراكي وسلوكي وثقافي يساهم في إحداث تغيير نوعي إيجابي في البيئة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بشكل يؤدي إلى تحقيق معادلة جديدة قوامها التنافس المتكافئ، علاوة على إيجاد شبكة علاقات سياسية جديدة تمكننا من إحداث تغيير ينقلنا من طور الحركة التقليدية وبيروقراطيتها التي تسيطر على مفاصل صناعة القرارات، حيث فقد المواطن الثقة بأداء مؤسساته الوطنية إلى حقبة جديدة إصلاحية حقيقية مقرونة بإجراءات صادقة كي تستعيد تلك الثقة التي تعتبر أحد أهم أركان التغيير الإيجابي. هذه الثقة هي التي تسمح لنمو فئات جديدة تعمل بشكل مختلف مبدع من دون وجود «مثاقيل burden» على حركة التغيير ويحررها من معوقات التنافس. إذا استطعنا أن نوفر مقومات هذه البيئة عندئذ نستطيع أن نواكب الحداثة مثلما حدث في الكثير من التجارب العالمية ومنها في سنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا، مع الاعتبار لفروقات الظروف المحلية والإقليمية.
في الكويت لدينا نخب وتيارات وفئات وكارتيلات سياسية واقتصادية احتكرت الوضع السياسي وقد أصابتها جميع أمراض «الشيخوخة المبكرة» فلم تعد تنتج إلا مخرجات متناقضة مع أهداف الرؤية والتنمية وطموحات الدولة في بيئة إقليمية وعالمية متحولة تملأها التحديات. هذه المكونات هيمنت على مفاصل الدولة وجثمت على صدر مؤسساتها من خلال كوادرها وبث ثقافتها السياسية، مما جعل هذه المؤسسات تواجه تعفنا بيروقراطيا تحول إلى مرض عضال قوامه تواضع وجمود وتخلف الأداء إلى حد الشلل مما يتعين التدخل الجراحي السريع لإنقاذ المخرجات العامة للدولة من الانزلاق أكثر في هاوية المزيد من التراجع. إن هذه المكونات جامدة في فكرها وتقليدية في حراكها ومحدودة في نطاق حركتها، فلا هي تستطيع أن تتخلى عن تركة ماضيها المتواضع ولا هي قادرة على إنتاج نفسها بشكل ينسجم مع تحديات ومتطلبات المرحلة. هذه المكونات السوشوسياسية بشخصياتها ورموزها وقياداتها أصبحت بمثابة معوقات تحد من انطلاقة الدولة برؤيتها الجديدة ووعودها وغاياتها، فهذه المكونات لاتزال تعبث بقواعد لعبة سياسية تمكنها هي فقط للبقاء بينما تسحق من لا ينتمى لها أو من يقع خارج نطاقها تغطيتها عوضا عن محاربتها لكل ما هو جديد لا يخدم مصالحها التقليدية، مما ينذر بخطورة الوضع على ما هو عليه.
وبلحاظ الوضع الدستوري في الكويت، فالتغيير لا يمكن أن يكون قفزا عليه أكثر مما هو تطويرا له من خلال إدخال تغييرات دستورية جذرية في اتجاه المزيد من الحريات وفي اتجاه توسيع مسار الحركة بشكل «يعيد تموضع» من أجل تحرير منظومة العمل السياسي والاقتصادي من احتكارية كارتيلات عفا عليها الزمن.
وبمعنى أدق، أن تلك الكارتيلات التجارية والنخب «السوشوسياسية» يجب أن يتم تحجيم دورها إن لم يتم تغييرها بالكامل ضمن إجراءات سلمية ودستورية تسمح بالتنافسية العادلة مع غيرها وليس بطرق عنفوية أو قهرية أو ما شابه ذلك قفزا على النظام العام. كما ينبغي إحداث تغيير هندسي كلي في مفاصل المؤسسات البيروقراطية وقياداتها وإفساح المجال أمام آليات وقيادات جديدة لربما تفتقد الخبرة في شبكة العلاقات البيروقراطية أو الاتصال الخفي بتلك المكونات التقليدية، ولكنها لو تم دعمها وحماية وجودها ستكون حرة وتنافسية وهو الأمر الذي يجعلها تقوم بالتحدي والتفوق والإنجاز. وحتما أن هذا التغيير لو تم فمن شأنه ان يدخل لاعبين جدد ضمن نسق جديد للبني الاقتصادية والسياسية والإدارية والمؤسساتية وفي سياق قواعد منظومية جديدة تفتح مجالا حقيقيا للإبداع والانطلاق إلى آفاق ربما تكون اكثر تصويبا في اتجاه أهداف الرؤية الكويتية الجديدة التي تتطلع لمواكبة الحداثة والتغلب على تحديات المرحلة. فالجديد يحتاج إلى تجديد، والتجديد يحتاج الى تغيير، والتغيير يحتاج إلى إرادة جادة تستعيد الثقة الشعبية بمؤسسات الدولة، هذا هو المنطق والمنطلق، وهذه هذه هي خلاصة الخبرات الملهمة، وبهذا وهذه يمكن لنا أن نتعلم منهما كيف تولد لدينا حياة يانعة وواقع جديد واعد بسلام وأمان.
عدد التعليقات ( 1 )
سحر العلي
والأهم اختيار القيادات بعيداً عن المحاصصه و الكوته و تطبيق نظرية الياقات الزرقاء . و دمتم