«سُهى بعيون» تعيد المرأة الأندلسية إلى حظيرة التراث الإسلامي


كنت ومازلتُ مولعاً ومن المعنيين بالشأنِ الأندلسي، والذي أزعمُ بأنَّه عصر الذهب الإسلامي "إن صح التعبير"، فقد نالت الخلافة الإسلامية هناك باعاً من العلمِ والأدبِ والفنونِ لا يستهانُ بها، نتيجة الظروف البيئية والمجتمعية الجديدة على العرب حينئذ، واحتكاك المسلمين بالمناخ الأوربي والذي تفوح منه رائحة الحرية.
وأثناء تصفحي للتراث الأندلسي، كنتُ دائماً أفكر وأتساءل!
في ظلِ هذه الأجواء الفكرية الجديدة على العرب، واحتكاكهم بالنخبةِ الفكريةِ الأوروبية، وما نتج عنها من تأثيرٍ وتأثر، هل غابت شمسُ المرأةِ الأندلسيةِ عن هذا المشهد؟ وإن لم تغب فما هو دورها؟ وما هو نتاج وثمرة مشاركتها في هذا المنتدى الثقافي العلمي الجديد إن وجد؟
 وهل تركت بصمة في التاريخ الأندلسي؟
ظلت التساؤلات تراودني فما وجدتُ ضالةَ إجابتي إلا في كتابٍ أزعمُ أنَّه أعادَ المرأةَ الأندلسيةَ إلى مظلةِ التراثِ الإسلامي، وهو كتاب "إسهام المرأة الأندسية في النشاط العلمي في الأندلس" للكاتبة اللبنانية المتخصصة في الحضارة الإسلامية والأندلسية د. سهى بعيون، والتي أرى أنَّها أضافت للمكتبة العربية كتاباً مهماً وعبرت بالمرأة الأندلسية جسور التاريخ، وأزعمُ أنَّ كثيراً من الكُتَّاب قد أغفلوا حقها.
وقد اختارت الكاتبة فترةً مهمةً جداً من تلك العصور، وهي "عصر ملوك الطوائف"، وأرى أنَّها قد وفِقَت كثيراً فى اختيار تلك الفترة والتي كانت مشهورةً بالصراعات السياسية العنيفة، ورغم تلك الصراعات، ازدهرت العلوم في هذا العصر عن العصور السابقة، بل وفاق عصر الخلافة من حيث الإنتاج العلمي والأدبي، في إشارةٍ من الكاتبة أنَّه رغم تلك الصراعات السياسية لم يمنع المرأة الأندلسية من الإبداع والتجلي، والمضي قدماً في وضعِ بصمتها في ثنايا التاريخ الإسلامي، وهذا ما يؤكد للقارئ مناخ الحرية التي كانت تعيشه وقتها.
عرضت الكاتبة إسهام المرأة الأندلسية في العلوم الدينية، مثل علم الفقه وعلم الحديث، بل وعلم القرآن، بل فاق حفظةُ القرآن من النساء في عصر ملوك الطوائف أكثر من ستين ألف حافظة، لدرجةِ أنَّه كانت المرأة الأندلسية تضع قنديلاً فوق باب منزلها للدلالة على وجودِ حافظة للقرآن في هذا البيت، بل كانت لها مشاركة في علم الفقه، وعرضت لأسماء بعض النساء في عصر الخلافة، مثل (راضية) وهي مولاة (عبدالرحمن بن محمد الناصر) في إشارةٍ من الكاتبة إلى إسهام الموالي أيضا في النشاط العلمي وليست الحرائر فقط، فقد كان لكثيرٍ من الجواري مشاركةٌ ومساهمةٌ في العلوم في بلاطِ الملوكِ، فقد كُنَّ محل عناية من الملوك فكانوا يقومون بتهذيبهن والاعتناء بهن، وهذا ملفت للنظر!
لم تكتف الكاتبة بذلك بل أسهبت في الفصل الخامس عن الحديث عن مشاركة المرأة في العلوم الطبية، وذكرت أسماء بعض الطبيبات، مثل (أم الحسن بنت القاضي أبي جعفر الطنجالي)، وأسرة (بني زهر) في إشبيلية والتي اشتهر نساؤها في علمِ الطب.
أضافت الكاتبة أنَّ المرأةَ الأندلسية أقامت المنتديات الأدبية، ونسخت القرآن وحفظته، بل ووصلت للقضاء، وتدخلت في شؤون الدولة السياسية، وساهمت في السلطة.
أضافت الكاتبة د. سهى بعيون إلى البحث الأدبي وإلى المكتبة العربية كتاباً ومؤلفاً قيماً، وأضاف من قبلها أجدادها عائلة بعيون العربية التي هاجرت وساهمت في فتح الأندلس.
عدد التعليقات ( 1 )
حسين بابان
مقال رائع