تطوير التعليم العام لتحقيق متطلبات المستقبل


لقد شهد العالم خلال القرن الحادي والعشرين تحولات وتطورات مهمة في التكنولوجيا ونظم المعلومات والاتصالات، وانعكس أثر تلك التطورات في مناحي الحياة المختلفة، وكان على نظم التعليم أن تستجيب وتستوعب تلك التغيرات من خلال تطوير نظام التعليم العام، حيث أصبح تطوير أنظمة التعليم وأنماطه حتمية لمسايرة ركب الحضارة والتقدم، وبما يخدم «رؤية الكويت 2035» حيث تنص استراتيجية "التعليم العام في دولة الكويت 2005، 2025" على ما يلي: 
"التعليم العام نظام تعليمي يوفر الأساس لإعداد النشء في وحدة منهجية تضمن تحقيق أهداف الدولة ومبادئها بتنوع في الأساليب يوفر تعدد الفرص أمام الأفراد والمجتمع لتنمية مهاراتهم وقدراتهم وتحقيق ذواتهم وخدمة المجتمع كله".
إن تكنولوجيا الغد لا تحتاج إلى ملايين الأفراد السطحيي التعليم المستعدين للعمل المتساوين في أعمال لا نهائية التكرار، ولكنها تتطلب أفرادا قادرين على إصدار أحكام حاسمة، أفرادا يستطيعون أن يشقوا طريقهم وسط البيئات الجديدة، ويستطيعون أن يحددوا موقع العلاقات الجديدة في الواقع السريع المتغير، إنها تتطلب أفرادا يحملون المستقبل في عظامهم. 
إن الطفل الذي نخطط لتعليمه وتربيته اليوم وفقا لمعطيات الحاضر سيجد نفسه بعد عشرين عاما وقد أعد لعصر غير عصره ولزمن غير زمنه ويقول روبرت يونك وهو من أبرز فلاسفة أوروبا المستقبليين في وقتنا الراهن: يكون التعليم مركزا تركيزا تاما على ما حدث وما صنع، أما في الغد فلابد من أن يخصص ثلث المحاضرات والتدريبات على الأقل للاهتمام بالأعمال الجارية في المجالات العلمية والتكنولوجية والفن والفلسفة ومناقشة الأزمات المتوقعة والحلول الممكنة مستقبلا لمواجهة تحدياتها. 
وغني عن البيان بأن مصير الوطن يتوقف على الكيفية التربوية التي سيعد بها أبناؤنا في القرن الحادي والعشرين وخاصة بعد جائحة كورونا، فالمستقبل هو حاضن الثورات المعرفية التي تتضاعف كل سبع سنوات تقريبا.
 ومن هذا المنطلق فإن القدرة على تنظيم وتوظيف التدفق المعرفي الهائل الذي نشهده اليوم وسنشهده في المستقبل المحك الأساسي للتقدم. 
ولا بد لنا من أجل أن نلحق بالأمم المتقدمة أن نعيد بناء موقفنا من الزمن، حيث يجب أن نرسم موقفا جديدا من الزمن يعطي للحاضر أهميته وللمستقبل ضرورته، ويشكل مثل هذا الموقف الجديد من الزمن ضرورة إحداث إصلاحات في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ولا سيما في مجال التربية والتعليم ولقد بقي الإصلاح التربوي في الوطن العربي بشكل عام ودولة الكويت بشكل خاص، بعيدا عن مقاربة مفهوم الزمن وبقي مثل محاولات متفرقة جزئية لا تمس جوهر العملية التعليمية السائدة، وبقيت هذه المحاولات نوعا من المبادرات التي تخشى الهدم حتى لو كان من أجل إقامة بناء راسخ متين.
 وإن السياسة التعليمية الحكيمة يجب أن تعتمد على إعطاء مفاتيح العلم للمتعلم وتتركه بنفسه هو بعد ذلك ليكتشف ويبحث، ويحصل ويصل إلى النتائج بمفرده. وهذه السياسة ستوفر كثيرا من الجهود المهدورة في حشو الأذهان.
وستقلل من تضخم المناهج الدراسية، الذي يثقل كاهل الطالب، ويؤدي إلى كراهية الدراسة، وعدم الفهم والاستيعاب وضياع المتعلم وسط التفريعات والهوامش والحواشي والجزئيات، وستجعل المتعلم مدركا للعلم الذي تعلمه وحدوده وأبعاده، وستعلمه طرق البحث ومراجع الدراسة وتنمي موهبته وقدراته.
وبذلك نخرج من مأزق الخريج الذي لا يعرف إلا ما عرف ولا يستطيع بنفسه أن يصل إلى شيء جديد لأنه درس بعض جزئيات العلم، ولم يعرف مراجعه، ولا مفاتيحه، ولا كيفية البحث فيه، ولا طرق الاستنباط منه.
وتأتي الخطوة الأساسية والمهمة في أن نحدد ما يترتب على التربية أن تقوم به في عصر متغير، أن نحدد ما صورة الإنسان التي يشكلها النظام التربوي القائم؟  ما الإنسان الذي نريده؟ ما المجتمع الذي نريده؟ هل نريد إنسانا لدنياه؟ أم إنسانا لآخرته؟ إنسانا للحاضر أم للمستقبل؟ إنسانا للتكنولوجيا أم إنسانا للتأمل أم الانسان المنتج أم الإنسان المستهلك؟ هل نريد إنسانا للدين والدنيا في آن واحد؟ وما الطريق الذي يجعلنا قادرين على اللحاق بالأمم المتقدمة؟
وفيما يلي مواصفات الإنسان القادر على مسايرة متغيرات العصر، نريد نظام التعليم العام أن يساهم في إعداد مواطن المستقبل الذي يكون قادرا على أن:
1- يمتلك قدرة فائقة على بناء المعرفة ومعالجة المعلومات والوصول إليها في الوقت المناسب.
2 - يتميز بقدرة كبيرة على تمثل معطيات التكنولوجيا الحديثة ومواكبة تطورها.
3- إنسان متفرد بخصوصياته وبعيد عن الروح النمطية.
4- قادر على ممارسة النقد والتفكير النقدي.
5 - مشبع بإمكانيات التعلم الذاتي ومهاراته.
6- يتميز بروح الإبداع والابتكار والتجديد.
7 - يمتلك في شخصيته أبعاد إيمان كبير بالديمقراطية والتسامح واحترام الآخرين. 
8- يمتلك فلسفة شمولية متكاملة حول ماهية الوجود وغايته وطبيعة الأشياء. 
9 - يؤمن بلا حدود بالقيمة المطلقة للحرية الشخصية وحرية التفكير. 
10- لدية مهارات حياتية ومهنية لمواجهة متطلبات المستقبل.
هذه بعض السمات الأساسية للمواطن الذي ينبغي أن يعد للمستقبل ويكون قادرا على معايشة زمن ما بعد جائحة كورونا.