مسجد فيصل ومشاهد «أباديّة»


أهلاً باكستان.. صباحٌ مشرق بدفء شمس متوهجة، وإسلام آباد تستضيفني مرة جديدة.. في الطريق المؤدي إلى مسجد فيصل تبدو الشوارع نظيفة ومُصانة وواسعة، أتذكر كوكب الشرق وأنشودة محمد إقبال لأشرع صوت (جهازي) لصوت أم كلثوم و(حديث الروح) رائعة الشاعر الصوفي في تلك الحفلة التي كان مطلعها حديثاً عن مناقب الشاعر الكبير الذي كان ملهماً لخلق دولة باكستان، وتأسيس وطن للمسلمين في أرض الهند. ويعتز الباكستانيون بإقبال شاعر باكستان الأول وذي الفضل في حركتهم الاستقلالية. لذا فقد وجدت رسمته محفورة في أحد الجذوع الخرسانية للصرح الوطني التذكاري، بجانب جدارية قريبة للقائد الأعظم محمد علي جناح أول رئيس للجمهورية الوليدة بعد أن كان رفيق درب لغاندي في وجه البريطانيين، قبل أن ينشق ويؤسس باكستان التي يعني اسمها (بلاد الطهارة والنقاء).. ها هي مآذن مسجد فيصل الأربع، تتجلى من تحت متسلسلة من جبال مرجلة المحيطة بالعاصمة، ويتخذ شطراً من المدينة متجملاً بالرخام الأبيض.. إنه يوم الجمعة والناس تتقاطر من السيارات والحافلات لنداء الصلاة التي قال فيها العزيز الحكيم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّه".. في الباحة الخارجية اجتمع العاكفون، وفي السماء حامت الطيور البيضاء.. المشهد فيه من السكون والروحانية ما لا يصفه اللسان، وعلى المدخل نُصبت أمارةٌ مرمرية كتب عليها: "هذا المسجد هدية من المملكة العربية السعودية إلى شعب باكستان".. وقد حفظ الباكستانيون هذا الإهداء من الملك فيصل بن عبدالعزيز عندما زار عاصمتهم في عام 1966، و أمر ببنائه ليكون أكبر المساجد في آسيا القصية، وأطلقوا عليه اسم (فيصل). تم العمل على بناء المسجد لعشرين سنة حتى تم تدشينه للصلاة في عام 1986، بطاقة استيعابية تصل لـ300 ألف مصلِّ. وعمران إبداعي يعكس الإرث العربي بتصميمه الذي أخذ شكل الخيمة البدويّة.. وخلائه من القبة التقليدية.. والنهار له بقية، أعاجله قبل انتهائه بزيارة إلى صرح باكستان الوطني.. وأخذ مكان على قمة المدينة ورؤية حاضرتها من علو.. قبل المغيب كانت الحافلة تتوقف عند محطة (روالبيندي) القريبة من العاصمة بسوقها التاريخي وبازارتها الكثيرة ومحال الحاجيات الأثرية والنحاس، ومتاجر الأقمشة الكشميرية والسجاد.. التي لن يكفي مشاهدة بضاعتها.. بضع هذا اليوم الذي انقضى.