رحلة إلى بلاد محمد إقبال


"إن الطيور وإن قصصت جناحها.. تسمو بفطرتها إلى الطيران".. هكذا رددت أم كلثوم اللحن وهي تشدو كلمات محمد إقبال شاعر باكستان المتصوف البديع.. سأسافر إذاً هذه النوبة إلى بلاد السند (باكستان).. تلك القصيدة الصوفية والحديث الروحي الذي نسّقه إقبال ونشره على الأسماع: "أسيرُ عن الوطن الجميل، تجذبني لذة شراب المعرفة. إني شجرة برية ترمق سحاب الجود، لم يحوجني الله إلى بستاني".. على كرسيّ وثير أجلس وقربي رفيقتي خضراء السفر حقيبتي، ونغم لشاعر كبير.. يزور العقل كون الخيال، يصير الكرسي رأس سنام لأحد جمال البشتون، والحقيبة الخضراء صارت صُرّة بنجابيّة وقلادات لؤلؤ، مشهد رطِب ورائحة التوابل تُطيّب الأفق.. ومعطف بألوان سجادة فارسية تأخذها الريح في السماء.. تعبر صوراً على نافذة الطائرة.. هذا (جناح) وذاك (الثقفيّ).. وهذه (بوتو). إذاً افتحي أيتها الأرض النقية بابك.. أحمد في وصول.
 إسلام آباد هي الخانة الأولى في رحلتي لأرض الباكستان. هذه المدينة الوليدة حديثة التكوين من العدم. وعاصمة البلاد الإسلامية التي اختير اسمها بقصد للدلالة على عقيدة الدولة الدينية، تأسست في منطقة غابات شمالي مدينة روالبيندي سنة 1960، واختيرت بعد ذلك بسبع سنوات كعاصمة سياسية، مع أول انطلاقتي في شوارعها الفسيحة التي لها شبه طابع مدينة دلهي، بحركة مرورها البريطاني، وكثرة الأشجار في الساحات العامة، والحدائق والنظافة النسبية للشوارع، وبرغم الفقر الواضح على كثير من الناس إلا أن ظاهرة التسول محدودة وإن وجدت فإنها بغير إلحاح، ويعتز الباكستانيون عموما بجذور الحضارة الإسلامية، هذا ما شاهدته وأنا أقصد في الظهيرة متحف التاريخي الوطني، فقد كرّست غالبية أجنحته للتذكير بعظمة الاسلام وانتشاره.. وعبر أروقة سبرتها وخصصت لكل قُطر إسلامي وما ساهم فيه من إنجازات تاريخية تحسب لهذه الحضارة، كذلك رسمت صوراً لعلماء مشهودين كابن خلدون وابن رشد والخوارزمي ومحمد إقبال وغيرهم من الفلاسفة والكتاب والشعراء.. وقد لاحظت عشق السائقين لتزيين حافلاتهم وشاحناتهم بالتلوين ووضع الأدعية ورسومات لبعض الحيوانات، وكتابة بعض الأبيات الشعرية ورسوماً للأزهار والنباتات ما يجعلها قطعاً فنية متحركة تجوب الشوارع وتؤنس الناظرين، وفي ذات المعنى شاهدت وأنا في قاعة جمع الحقائب بمطار اسلام اباد الجديد، الجدران وقد جُمّلت بالفنون والرسوم والألوان الصاخبة.