القضاء والكفارة


القضاء كان ولايزال ثوبا أبيض وجبهة عتية تكاد تكون إحدى الدروع الواقية من مخاطر هبوب كثير من الرياح التي أحدثتها واستحدثتها منعطفات طقس هذا العصر العجيب، فهو ليس جهة تصديق على الأوراق التي ترتبها له الجهات التنفيذية أو هو من ينتظر قافلة الإجراءات في نهاية الطريق الذي رسمت له ليكون الناطق الرسمي بإرادة الغير أيما كانت، ولكن القضاء جهة تقديرية رشيدة وأكرر "رشيدة" يجب أن تستنير بالخطوات السابقة ولا تلتزم بها، فمناطها إقامة العدل لا "بناء على سبق". فكما أن العين قد تخدع فالمستندات قد تخدع أيضا بل والأدلة لها ذلة. ولأن القاضي هو خليفة الله في أرضه وجب ألا يشوش على قراره المصيري موجات  أخرى ولا يهمس في أذن حكمة أهواء الغرض والنفس. فالقضاء ليس منصبا بقدر ما هو أمانة من عرف تبعاتها زهد فيها. وإذا ما تفيأنا ظلال أشجار العدل للأولين والسابقين وقرأنا ما كتب على ثمارها اليانعة لعرفنا كيف وصل هؤلاء الرجال إلى كبد منتهى الإخلاص وإلى قلب منتهى الدقة في تنفيذ مبادئ العدل. فلا عقوبة بلا جرم، وبراءة متهم خير من إدانة بريء، ولكن عظمة تلك الحكمة تكمن فيما يدعمها من خلاص النفس وصدق النية، فلا توضع تحت القدم لتمكن صاحبها من تسلق أسوار المجاملة فيما لا يملك على حساب الحق والعدل، فلا مجال على هذا البلاط المعصوم والنظر المعصوب من المخالطة أو تداخل أصناف النفس القابلة للإصابة ببعض الأمراض العصرية أو إلى تلك التي تحتمل بعض العيوب فللناس ألسن. فما الأمر إذن وقد نرى المجرم طليقاً والمحابس تتصدع من صرخات الأبرياء. ترى هل أخطأ الوشاح طريقه حينما وضع على بعض الصدور فأعمى الأعين أم عميت القلوب التي في الصدور، وماذا عسى أن يعوض بريئا ضاعت من عمره سنين وهو سجين فأين إذن القضاء وكيف تكون حينئذ الكفارة؟!! ولنتذكر معا قصة القاضي الذي عرض عليه أحد الخصمين طبقا من تمر عشية الحكم فرفضه ثم تنحى عن الحكم بينهما، لأنه حينما نظر إليهما في ساحة القضاء قال والله لم يستويا في نظري.. ولا أزال أقول إن هذا الثوب الأبيض سوف ينفض بعض الأتربة التي علقت به نتيجة معايير سيئة أحاطت به لا يد له فيها. فربما لا يكون اليوم كالأمس ولكن لا محل لليأس.