حكاية سياسية لأسرة موصلية


يحكى أنه كان لشيخ من أهالي الموصل أربعة أبناء اختلفوا في رؤاهم السياسية. وكانوا كلما اجتمعوا في البيت على أمر ما، ابتداؤا نقاشاً وجدالاً يعلو فيه الصوت أحياناً ويغيب عنه الصفاء.
كبيرهم أحمد كان يهوى الفكر اليساري فتراه يتحدث بحماس عن ماركس وانجلز ولينبن وستالين وخروشوف وبريجينيف. وكان أحمد مسؤولاً في لجان الحزب الشيوعي العراقي في الموصل.
اخوه الثاني محمد كان مغرماً بالقومية العربية متحدثاً بزهو وعنفوان عن أمجاد الأمة العربية ورجالاتها من ساطع الحصري مروراً بميشيل عفلق وجمال عبد الناصر وانتهاءً بصدام حسين.
وهكذا أصبح عضواً كبيراً في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي.
وثالث الاخوة سالم كان في تنظيم الاخوان المسلمين، وكانت كتب سيد قطب تتوسط مكتبته الاسلامية وتحظى بقدسية بعد المصحف الشريف وكتب الاحاديث النبوية الشريفة.
في حين تجنب رابعهم يوسف الانتماء الى اي حزب سياسي والتحق بكلية القوة الجوية ليتخرج ضابطاً طياراً ويشارك في أولى الطلعات الجوية في حرب ١٩٧٣ مع سرب الطائرات العراقية ويصاب وطائرته ويمنح نجمة سيناء.
انهم أخوة أشقاء نشأوا في أسرة واحدة، من نفس الوالدين تربية وتوجيهاً، وفي ذات البيئة الشعبية البسيطة ليتخذ كل منهم درباً في حياته السياسية، وليتناقشوا في دارهم حد الخصام والاقتتال.
اعوام حكم عبدالكريم قاسم ما بين ١٩٥٨ و١٩٦٣ كان أحمد يتمتع بنوع من السلطة والوجاهة السياسية، في حين كانت تلك لمحمد خلال الفترة ما بعد عام ١٩٦٨ ولمدة عشرين عاماً تقلد خلالها مناصب سياسية وادارية عدة.
كان والدهم الحاج محمود رجلاً ودوداً طيب القلب سمح الوجه بشوشاً لا تكاد تفوته صلاة الفجر والجمعة وغيرها من صلوات الجماعة في مسجد الحي القريب. وكان كمن يعمل مطفئاً لحرائق الاختلافات والخلافات السياسية بين أبنائه فلذات كبده. كم عانى المسكين القلق على حياة هؤلاء الأبناء. فعندما كانت السلطة بيد الشيوعيين، كان خوفه الشديد أن يلقى القبض على ولديه محمد وسالم أو حتى أن يقتلوا. وعندما قامت ثورات البعثيين كان في أشد الخوف على مصير إبنه أحمد. وحين قامت حرب عام ١٩٧٣ وسماعه بمشاركة ولده يوسف الطلعات الجوية ضد اسرائيل راح يبتهل الى العلي القدير أن يعيد له ولده يوسف سالماً مظفراً.
لم تكن تلك الاسرة سوى انموذجاً لغيرها من الأسر ولمجتمعاتها العربية التي عصف بها اختلاف الرؤى وحيرتها المناهج السياسية من دينية وقومية وطبقية وليبرالية. لم نكن لننتبه إلى أن تخلفنا وهواننا على الناس لم يكن ليحصل دون جهلنا وتخلفنا وتفرقنا وانانياتنا وانفعالاتنا وعصبياتنا والقيم الاجتماعية والسلوكية التي نشأنا عليها.
إن جميع أبناء هذه الأسرة الآن قد فارقوا الحياة إلى بارئهم، فهل يا ترى أنهم لا زالوا في نقاشاتهم واصرارهم على آرائهم، أم أنهم استطاعوا ان يتحاورا ويتفاهموا ويتعاونوا على العيش بوئام وسلام وسعادة؟ نرجو ذلك.!