إمام المتقين علي بن أبي طالب ومبدأ العدالة تبرر الوسيلة


"بالعدل تتضاعف البركات.
 بالعدل تصلح الرعيّة. 
إذا ولِّيت فأعدل.
 خير السياسات العدل.
 حُسن العدل نظام البرية. 
ثبات الدول بالعدل. 
تاجُ الملك عدل".
 كل تلك هي من الأقوال المنسوبة للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في العدل، ومن حيث أن هناك علاقة وشيجة بين العدل والتقوى، حيث قال الله تعالى في محكم التنزيل: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى"، أتى لقب أمام المتقين مستحقاً له حيث كان سلام الله عليه أميناً وحافظاً على نياط قلب العدالة في كل ما يقوم او ما ينطق به حتى لاقى ربه وهو كذلك فائزا مخلداً عند رب الكعبة.
العدالة وكما يصفها الفلاسفة هي احد الفضائل العليا التي تحد الاستقامة في الفعل والقول. والعدالة في الاسلام هي بمثابة بيضة القبان التي تحفظ تساوي الميزان. وقد تجلت قيمة العدالة في سورة الرحمن حيث قال الله تعالى: "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ"، 
فخلق الانسان والمؤن قد اقترن بشكل تام باستقرار سبل العدالة التي بمقتضاها تكون صيرورة الحياة السعيدة التي تبث الاطمئنان لدى الانفس البشرية ما يمكنها من الإبداع والكدح في سبيل الله.
 والى جانب التفسير الديني الذي لا يقتصر على الإسلام فحسب، فإن جميع الفلسفات الانسانية أتت على نحو متقارب من فهم العدالة كأساس للسعادة للحياة الراغدة.
 ان أغلب حالات اختلال العدالة تنبت من القصور في فهم الحق والسلطة. فعلى سبيل المثال، من يعتقد بأن لديه الحق المطلق لا يمكن ان يرى العدالة الا من خلال ما يراه هو ذاته باعتباره يمثل الحق الذي يمنحه السلطة لممارسة اي فعل سياسي او اجتماعي او غيره. 
 فرعون يمثل حالة الطاغوت الذي كان يرى بأنه هو الحق، وبالتالي فان ذلك يجعله يمارس السلطة وفق ما يراه هو ذاته، حيث وصف ذلك الله بقوله "قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ". وهكذا هي السلطات التي تُمارس حقها في السلطة انطلاقاً من قواعد قانونية او عرفية او غيرها، لكن غاب عنها شتان الفارق ما بين حق السلطة وسلطة الحق. فحق السلطة هو حق ممنوح او مغتصب من إنسان لإنسان يكون التصرف بمقتضاه لسلطة طوعية او قهرية، ام حق سلطة الحق فيمثل الحق المطلق كقيمة أخلاقية أبعد ما تكون كسلطة محتكرة بيد إنسان كي يمارسها على إنسان آخر. وعندما يخرج الإنسان القابض على حق السلطة من كينونته المخلوقة إلى تأليف سلطة حق من لدنه الى نفسه فيكون حينها اختلال عظيم في جميع نظم العدالة وأسسها، ما يسمح لمنطوق القاعدة بأن الغاية تبرر الوسيلة سبيلا لإطلاق يد السلطان دون قيد، فيتم اختزال العدالة حسب مقاس الغاية بوصفها مجرد وسيلة فتتشكل من رحى ذلك مستويات دكتاتورية حسب الهرم السياسي في المجتمع.
لذلك فإن المقابل لتلك المقولة - الغاية تبرر الوسيلة- تكون العدالة هي المبرر للوسيلة، حيث تكون هي الهدف الأسمى الذي من المفترض أن يكدح الانسان لأجله. ولكن تبقى الاشكالية تتمثل في شكل تلك العادلة ومنطلقاتها! فمن هو الذي يقررها، ومن الذي يمارسها على النحو السليم وفق مقاصد من قررها، ومن هي الجهة التي تحكم على سلامة تطبيقها؟ من هنا اتت فكرة مشاركة الامة في تقرير مصيرها واحترام رأي الاغلبية دونما بخس مصالح الأقلية ومراقبة تحقيق العدل عبر سلطات تنال ثقة الناس، وهذا كان هو نهج امير المؤمنين علي ابن ابي طالب حيث أتت حكمه في هذا السياق الأخلاقي لممارسة سلطة الحق قبل ان تكون تطبيقات لحق السلطة. 
ولدت فكرة الديمقراطية بعد مخاض عسير لتغول السلطات وانحسارها بيد الاقلية ثم الجماعة ثم الفرد الذي وهب لنفسه سلطة الحق الإلهي وسط تدليس نفعي من لدن نخب تلبست الدين وأخرى تطلعت الى نهب الثروة، فغاب اهم عنصر للحياة الكريمة وهو العدل. وعندما تم تطبيق الديمقراطية كنهج سياسي يكبح جماع التفرد في السلطة، انبثقت قاعدة فصل السلطات كوسيلة لتوزيع السلطة من اجل استقرار النسبة الاكبر للعدالة ولكي لا يكون حق السلطة مطلقاً بيد سلطة حتى لو كانت منتخبة. فالذي يقرر نوع السلطة هو الامة والتي تمارس سيادتها عليها بشكل متوازن وموزع  يمنع الاستفراد لاي من عناصرها على عنصر آخر. وبالعكس، متى ما استطاعت اي سلطة ان تُمارس استفرادها بحق السلطة او بفرض سلطانها على ارادة السلطات الاخرى فلا مندوحة من تحقق الدكتاتورية تحت مسمى آخر. اما من حيث تقرير سلامة تطبيق قواعد العدالة فهي السلطة القضائية التي لابد من ان يتحقق فيها عناصر الكفاءة والاستقلالية والحيادية، ولا يمكن ان يتسنى لها ذلك الا من خلال تصنيعها المزدوج المتوازن من قبل كلا السلطتين التنفيذية والتشريعية معاً دون ان يكون لاي منهما حق الاستفراد. ان تمت تلك الصناعة المزدوجة والقائمة على أسبابها الموضوعية من حيث اختيار الأكفأ والأكثر قدرة على استنباط الأحكام من بُطُون القوانين دون ان ينقاد الى جهة دون اخرى ليشكل سلطة مستقلة ومحايدة في آن واحد تستهدف القضاء بالعدل لا غير. 
إذن، فالعدل بوصفه غاية الغايات لابد وان يبرر وسيلة تطبيقه، وبما ان العدل لا يقبل الظلم أو الانحياز فإنه بطبيعة الحال لا يقبل بأي سيلة تجافي الحق والحقيقة. ومن هنا تنعقد جدلية العدل بوصفه غاية مع وسائله بوصفها إجراءات ومناهج دالة عليه، لتكون في مخرجها النهائي مجتمع الحق. 
في ذلك التكوين المعرفي المقرون بالواقع العملي يمكن فهم الحِكم التي اطلقها الإمام علي عليه السلام والتي أشرنا اليها في إطلالة المقال، وخاصة في قوله "تاج الملك العدل" و"ثبات الدول بالعدل"، فالعدل اذا زين تاج الملك لابد وان يسود الاستقرار والاطمئنان والرخاء في الدول.
 وفي سيرته عليه السلام، جسد الإمام علي أرقى معاني العدالة المقرونة بالتقوى، وكان ذلك جليا في تعامله أولاً مع نفسه حيث عصمها من اللذات ونأى بها من الشهوات، وهكذا كان تعامله مع أهله حيث لم يميزهم بمحاسن الملك او الجاه او الشهرة، بل على العكس فقد أودع بهم الزهد والتواضع والعلم والشجاعة، وهكذا كان حاله مع سائر المجتمع حيث أعز الفقير منهم وعطف على المسكين فيهم ورفض كل مظهر مستكبر ومستكين منهم. فالإمام علي، لم يحصل على ألقابه من أفواه الشعراء ولا الغاوين، بل هي أتت اليه تباعاً من رسول الأمة عليه وآله افضل الصلاة والتسليم حيث اعتبره باب مدينة العلم، وذلك قبال حكمته البليغة ودرجته الرفيعة، اما الامة فقد خلدته بلقب إمام المتقين التي كانت قرين عدله الذي اصبح نموذجاً انسانيا خصبا ينهل منه الأحرار والعلماء في كل ارجاء المعمورة، فسلام الله عليك يا مولاي يوم. ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا وعلى ابن عمك رسول الرحمة للناس اجمعين عليه وعلية وأهل بيتكما الغر الميامين والطهر المطهرين ورحمة الله وبركاته.