من التواصل الاجتماعي إلى التباعد الاجتماعي.. إنها حتمية التغيير!


من أبرز ظواهر عصر العولمة الذي خيم بظلاله على السنوات الثلاثين الماضية هي تلك المتصلة بثورة الاتصالات والتي أدت الى تنامي ما اصطلح عليه بوسائل التواصل الاجتماعي، "الواتساب" و"التويتر" و"الفيس بوك" وغيرها من تطبيقات إلكترونية قد عملت على تحجيم للعالم فوضعته في قرية زجاجية صغيرة يرى ويتواصل من خلالها البشر من دون حواجز قانونية أو فواصل حدودية كانت تفرضها الدول. في هذه الحقبة خال الكثير من المتخصصين انهيار مفهوم الدولة وسيادتها القومية، وأفول عصر القيود على الحريات الأساسية والمدنية، في مقابل استفحال الهوية العالمية كبديل للهوية الوطنية، وتنامي شبكات الاتصالات التجارية والاجتماعية وجميع الأنشطة التي ينتجها المجتمع البشري.
وبصورة مفاجئة انفجرت بؤر جائحة "الكورونا" فتنامت معها ظواهر المضادات السياسية مثل التباعد الاجتماعي وقفل الحدود وفرض سيطرة الدولة، وتقييد حريات الانتقال والخروج التي كانت تعتبر من مقدسات العصر المتعولم، لعل تلك الظواهر المضادة التي أنتجتها جائحة "الكورونا" ستكون مؤقتة وستزول بزوال خطر انتشار الفيروس او بعد ايجاد لقاح طبي له، وعلى الرغم من التأكيد على حتمية انتهاء خطر وانتشار هذا الفيروس، لكن الظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية ستبقى لفترة طويلة وسترمي بظلالها على مشهد النظام الدولي في فترة ما بعد "كورونا".
من الصعب التنبؤ بالتفاصيل والتداعيات القادمة على جميع الأصعدة، فذلك يحتاج الى جهد كبير في إطار علوم بناء السيناريوهات والنماذج، لكن في ذات الوقت بإمكاننا التيقن من حقيقة واحدة ومجموعة من التوقعات والفرضيات، الحقيقة هي أن التغيير حتمي، ولا يوجد شيء ثابت وسقوط مقولة "الله لا يغير علينا"، اما من حيث التوقعات فهي في الإطار الدولي العام تتمثل في انكماش الدول للداخل، وتغير شكل النظام الدولي من حيث تشكيل موازين القوى والتحالفات، إلى جانب تطور مفاهيم الحروب والصراعات الى جيل جديد تنبعث من خلاله الأسلحة غير العسكرية العابرة للقارة مثل الفيروسات والحروب الإلكترونية، أما من حيث التوقعات على الصعيد المحلي لسياسات الدول فهي ستتمحور حول تصاعد دور طبقات التكنوقراطية كبديل للنخب البيروقراطية وجعلها اكثر تأثيراً في عمليات اتخاذ القرارات بدلا من التيارات والأحزاب التقليدية، كما ستغير الدول استراتيجيتها الأمنية خاصة تلك المتعلقة بالتنمية والتعليم والصحة والغذاء والتجارة، بحيث يكون للدولة حيز اكبر في السيطرة مقارنة بالحقبة السابقة، وعلى المستوى الفردي والجماعي الصغير هنالك ايضا مجموعة من التغيرات المتوقعة خاصة التي تتصل بمفاهيم الأسرة والسلوك الاقتصادي والاجتماعي.
سيعيش العالم بكل مستوياته الثلاثة (الدولي، الدولة، الفرد) حالة من عدم الاستقرار أو الريبة (uncertainty) لفترة طويلة، حيث سيطغى الشعور بالشك والأمن ما يستتبعه انكماش فيما يسمى بالخطط الطويلة الأجل والاستعاضة بدلا منها بالخطط القصيرة المدى، وهذه الظاهرة ستلون كثيرا السلوك السياسي على المستويات الثلاثة وتتغير الأولويات ما يستتبعها عدم الاكتراث بحقوق الإنسان او الحريات والقضايا الإنسانية مقارنة بالحقبة السابقة.
أمام كل تلك التوقعات والسيناريوهات المحتملة، يتعين رسم واقع جديدة وفق تلك المعطيات التي خلفتها أزمة "كورونا" بحيث لا يترك المجال أمام التفكير التقليدي السائد في الاستمرار بذات نمطية الإدارة الحكومية التي تحتكر قراراتها النخب الاقتصادية المهيمنة على مفاصل الدولة العميقة، إنها حقبة مملوءة بالتحديات والعقبات والصراعات يجب علينا ان نتأهب لمتغيراتها وأن نمضي بعلمية مواكبة التغيير بدلا ان نكون عرضة للتغير القسري.