العصر البريطاني - العصر الأميركي - العصر الصيني.. والتطور الطبيعي للعلاقات الدولية


العصر البريطاني وهو الذي يمكن ان يطلق عليه بالعصر الاستعماري الممتد منذ الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر الى بداية الحرب العالمية الاولى، حيث اعتبرت بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وهي القوة المهيمنة حينما كانت تسيطر بشكل مباشر على ما يقارب 24 بالمئة من يابسة الكرة الأرضية من استراليا الى اسيا واوروبا والقارة الأميركية، أتت بعدها الولايات المتحدة التي خرجت من عزلتها كدولة مهيمنة منذ الحرب العالمية الاولى في عام 1918 ثم بأكثر جسارة بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1945 الى سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1991، فسعت الى تكوين نظام دولي أحادي يقوم على أساس مفاهيم الليبرالية الرأسمالية الجديدة فدخلت في حروب الهيمنة عسكريا في أفغانستان والعراق، علاوة على حروبها الاقتصادية التي تجلت في تنافسها مع الصين والى حد اقل مع حلفائها الأوروبيين، على الرغم من أن بعض المختصين يرون بان العصر الأميركي هو امتداد للعصر البريطاني، الا انها أميركا قد اتخذت نموذج الإمبريالي (Imperial)، بخلاف بريطانيا التي كانت تتبع النموذج الكولونيالي (Colonial)، وهما نموذجان مختلفان من حيث استراتجية السيطرة.
بريطانيا كانت تعتمد على التواجد العسكري والمدني المباشر الشبيه بالاحتلال، الا ان الولايات المتحدة اتبعت استراتيجية السيطرة الثقافية والاقتصادية والسياسية غير المباشرة.
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، اشتد عود الولايات المتحدة فلم يبق مقابلها متحد دولي يحمل ذراعين أيدولوجي واستراتيجي، فذهبت حثيثا في تحويل اتفاقية الغات (GATT) المعروفة بالاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة الى منظمة عرفت باسم منظمة التجارة العالمية (WTO)، فتسارعت الدول لتدخل في عضويتها أفواجاً اعترافاً منها بسيطرت مفاهيم الليبرالية الرأسمالية بنموذجها الجديد لكي تحكم سيطرتها الاقتصادية عبر محركات العولمة، ومن جهة اخرى، أخذت الولايات المتحدة تنذر بوجود نظام دولي جديد صرح به جورج بوش الأب بصراحة بعد تحرير الكويت من براثن الاحتلال العراقي، بيد انه يشير الى اليد الطولى عسكريا وسياسياً عبر منظومة الامم المتحدة على ما اطلق عليها بقوى الشر او الدول المارقة التي لا تستقيم سياستها مع "قيم" العصر الأميركي.
في هذا السياق، تفاقمت مدارس الفكر الاستراتيجي ومفكريها في محاولات التنظير في هذا الاتجاه، حيث سطع نجم فرانسيس فوكوياما بكتابه نهاية التاريخ الذي بشر به بسيادة الليبرالية وعصر العولمة، وخرج كل من ستيفن بروك ووليام ولورث في كتابهم عالم بدون توازن (World out of Balance) في عام 2008 ليؤكدوا على ان العالم اصبح تحت نطاق الهيمنة الأميركية، كما اصدر البروفسور جوزيف ناي كتابه القوة الناعمة "Soft power".
ومن بين تلك الدرسات وغيرها خرج المفكر صامويل هنتغتون بأستحياء في أفكار جديدة، بعد أطروحته الخاصة بصراع الحضارات، ليؤكد بدراسة جديدة في عام 1999 على ان الولايات المتحدة لربما تمثل القوة العالمية الاحادية لكنها ستكون في تحدي مقابل بعض الدول الإقليمية قوة اميركا الاحادية، وذلك في دراسته القيمة "The lonely Superpower"، نال هنتغتون حظ كبير من النقد خاصة من أوساط مفكري السياسة الرسمية لواشنطن، لكنه استطاع ان يصمد في أوساط أكاديميين آخرين اكثر استقلالية، خاصة مما يطلق عليه بالمدرسة النقدية وعلى رأسهم الفيلسوف ناعوم جومسكي الذي عبر عن هبوط القوة الأميركية بوضوح تام.
لقد استمر النظام الدولي خلال العشرين سنة او الثلاثين الماضية في شكل متعرج فوضوي بعيداً عن الهرمية التي اعتادت اليها الدول، فانتشرت ظواهر عدة منها الإرهاب، وانتشار المنظمات غير الحكومية المتحدية للدول، وانحدار السيادة القومية، واختلال في الأحلاف الاستراتيجية، علاوة على عوارض "الارتخاء" في علاقات الدول الصديقة، واستفحال ظواهر العنصرية والتعصبية الاثنية والدينية التي اطلق عليها مصطلح "القبلية الجديدة"، الى جانب عدم الاستقرار في السياسات الخارجية.
ولقد رسمت كل تلك الظواهر ملامح نظام دولي جديد يرتسم على مشهد الخارطة الجيوسياسة العالمية بشكل معقد محاولا الخروج من مخاضه لكي يأخذ واقعه الجديد، ولا نبالغ في القول بأن تفشي فايروس الكرونا قد ادى الى بروز الوجه الجديد للنظام القادم الذي بالتأكيد سينسلخ من حقبة العصر الاميركي ليدخل في عصر جديد اقرب لان يكون للعصر الصيني او الآسيوي، فنهوض الصين اقتصاديا لم يكن هو العنصر الوحيد الذي نحت الوجه الجديد للنظام الدولي المتجلي، بل تعاطيها مع ازمة هذا الوباء مقارنة بالولايات المتحدة ودول "اوربا القديمة" هو الذي أضاف الألوان التي أظهرت هذا العصر القادم، كما ان تحدي روسيا العسكري للولايات المتحدة في اقليم الشرق الأوسط التي تعتبره واشنطن منطقة الرمال الثابتة لها خاصة بعد سقوط غريمها الشيوعي قد أضاف مسحوقاً آخر على المشهد الذي بات ينازع الرمق الأخير للمصالح الأميركية التي تغذي شريان هيمنتها العالمية.
ان التطور الطبيعي للعلاقات الدولية هو الشيء الثابت والوحيد في السياسة، فهذا العالم قد مر خلال أمم ودول سادت ثم انحدرت ثم بادت، وهكذا هي سنة الله التي لن يكون لها تبديلا ولا تحويلا، وعليه، فإن الحنكة السياسية لقادة الدول هي التي ستحدد مواقعهم في العصر المستجد، والدول التي تستطيع ان تخطط لنفسها ذلك التموقع هي التي ستستمر وتزدهر، اما التي يتكابد التغيير وتقاومه فلا شك من انها ستعاني كثيرا، ونتمنى على متخذي القرار خاصة في مؤسسات السياسة الخارجية لدولنا العربية والخليجية ان تحدد رؤاها المستقبلية من مجهر هذا المنظور.
اما في الكويت، فنذكر متخذ القرار في وزارة الخارجية على وجه التحديد، بأن الشيخ مبارك الكبير رحمه الله قد عايش ارهاصات هذا التحول وقرأه بصورة جليه عندما أيقن اضمحلال القوة العثمانية وسيطرت بريطانيا في فصلها الأخير، وبالتالي استطاع ان يواكب تلك الاحداث فنجى بدولته الفتية ووصل بها الى بر الأمان في عالم مضطرب، على الرغم من مقاومة قوى الركود التقليدية داخليا وخارجياً، ولا نبالغ اطلاقا حينما نقول بأن المشهد متكرر مع فارق الزمان والمكان والملل والنحل واخيرا، نقول بأن معادلات التغيير قد تمر بطيئة لكنها لن تنتظر طويلاً، "وتلك الأيام نداولها بين الناس".