خواطر في زمن الوباء


الأرض.. سقيمة، تسعل.. تنطفىء ببطىء.. منبوذة في عراء الكون، تعارك مرضها بصوت رفيف كأغنية طفولة منسية، هذه البقعة المجهرية.. في محيط الشموس.. وذرّ الكواكب.. وتعارك المجرات، وطننا الذي يئن منذ مئات السنين.. ولا نسمعه، يصرخ من وطأة الألم فنسد آذاننا.. ونحرق الغابات، يقول ساغان:.."إنها الوطن! إنها نحن! فعليها: كلُّ من نحبْ، كل من نعرف، كل شخصٍ سمعنا عنه، كلُّ كائنٍ بشريٍ وُجد طوال التاريخ، عاش حياته هناك، مجموع كلِّ الأفراحِ والأحزانِ، ألوف الأديانِ والنظريات ومذاهبِ الحياةِ، كلُّ صيادٍ وقاتلٍ، كلُّ بطلٍ وجبان، كلُّ خالقٍ وهادمٍ لحضارة، كلُّ ملكٍ وفلاّح، كلُّ عاشقيْن، كلُّ أمِّ وأبٍ، طفلٍ ذي أمل، مخترعٍ ومكتشف، كلُّ ناشرٍ لخلقٍ حميد، كلُّ سياسيّ فاسد، كلُّ نجمٍ سينمائي كلُّ قائدٍ عظيم، كلُّ متدينٍ ومذنبٍ في تاريخِ وجودِ كائننا البشريّ، كلُّهم عاشوا هناك.. على ذرةٍ من غبار، عالقةٍ في شعاعٍ شمسي. الأرض ليست سوى بقعةٍ صغيرةٍ للغاية، في مسرحٍ كونيّ عظيم!. تفكر لوهلةٍ في أنهارِ الدماءِ التي أراقها جنرالاتُ الحربِ وأباطرتَها، لينتصروا ويصبحوا أسيادً لحظيينَ، على جزءٍ عشريّ من نقطة. تفكر لوهلةٍ بالقسوة التي ملأتْ قلبَ شعبٍ عاش على إحدى زوايا هذه النقطة، ليغور ويتغلب على شعبٍ آخرَ، عاش على زاويةٍ أخرى منها، بالكاد نستطيع التمييز بينهما، كم كان جهلُهُم، وسوءُ فهمهم للآخر؟! كم كان غرورهم، ليقتُل أحدُهم الآخر؟! كم كانت كراهيتُهم الشديدة وبغضَهم لبعضِهم البعضْ؟!".. إنه زمن "الكورونا" زمن هذا الكائن اللامرئي العابر للقارات.. الذي يحصد في دربه.. بقاءنا، آمالنا، تطلعاتنا ومستقبلنا، يزحف بأذرعه المتمددة في كل صوب لا يفرق بين بشرٍ دون آخر، ولا بين جماعة إثنية دون الأخرى.. إنه يحرق وهو ينثر مرضه في الهشيم.. عنصريتنا..، أمراضنا البشرية..، أحقادنا.. وأرواحنا.. لن يرى هذا المتواري تحت الصِغر، عظمتنا..، تطورنا و مدنيتنا.. ولن يختار زنجيّاً دون أبيضا، ولا ذوي ثروة دون الفقراء، إنه يلتهم رِئات البشر.. بلا رحمة، كما كانوا يلتهمون رئة الأرض.. إنها ساعات عسيرة تعيشها البشرية كما لم تعشها من قبل، والإنسان على كف ريحٍ.. تحت رحمةِ الله.