اغتيال العقل والفكر


في أميركا، كثيرا ما تقرر العصابة الحاكمة المتحكمة في الاقتصاد والسياسة والإعلام أن تحرم بعض المفكرين والمثقفين من ايصال أفكارهم إلى عامة الناس، وتتم عملية الحرمان هذه من خلال اللجوء إلى إهمال كل ما يصدر عن أولئك الأشخاص من أفكار وآراء جديدة، وذلك بدلا من القيام بنقدها نقدا علميا هادفا، أو حتى التشكيك فيما جاء فيها من أفكار واقتراحات غير تقليدية، فالتشكيك في مجتمع قارئ مثل مجتمعات الغرب عامة من شأنه أن يثير غريزة حب الاستطلاع لدى الناس، خاصة لدى الفئات الشعبية التي لا تثق في مواقف وأمانة العصابة الحاكمة؛ وهذا من شأنه أن يفتح المجال للفكرة المعنية كي تجد طريقها إلى عامة الناس، خاصة المعنيين منهم بقضايا الفقر والعنف والمخدرات واتساع فجوتي الدخل والثروة بين الفقراء والأثرياء، أما حين تنتشر فكرة لا تعجب تلك العصابة على الرغم من إرادتها، فإنها تلجأ إلى تكليف أحد عملائها المنتمين ظاهرياً إلى التيار المعارض باختلاق ما يكفي من الحجج لتدمير مصداقية صاحبها قبل تدمير مصداقية الفكرة ذاتها. وهذا ما حدث مع الأستاذ الجامعي الإسرائيلي شلومو ساند الذي كتب: «اختلاق الشعب اليهودي»، وهو كتاب ينفي كليا وجود شعب يهودي في قديم الزمان وحديثه.
أما في البلاد العربية عامة فإن الزمرة الحاكمة المتحكمة في السياسة والاقتصاد والمال والإعلام والثقافة لا تحتاج إلى إهمال فكرة لا تعجبها أو تتناقض مع مصالحها، لأن الثقافة الشعبية تتكفل في ذلك نيابة عنها. ويعود السبب في هذا الأمر إلى كون الثقافة العربية ثقافة تقليدية محافظة ضعيفة القدرة على التطور، تميل إلى التمسك بالقديم من الأفكار والشك في الجديد من النظريات والحقائق العلمية من ناحية، ولأن الشعوب العربية هي أقل شعوب الأرض إقبالا على القراءة والمعرفة من ناحية ثانية، وهذا جعل الثقافة العربية والشعوب التي تنتمي إليها تنظر إلى كل فكرة جديدة تقريبا بوصفها خروجا على التقاليد المتوارثة والعادات والقيم المترسخة في الوجدان الثقافي، والمعتقدات الدينية أحيانا، فكل فكر نوعي يقوم بانتقاد ثقافة عاجزة عن التطور بهدف اصلاحها يُعتبر فكرا شاذا يستهين بالتاريخ والماضي ولا يحترم التراث الحضاري لأمته، فيما يُتهم بخدمة أعداء الدين والوطن.
وخلافا للحال في البلاد العربية، حين تلاحظ الزمرة المهيمنة على الدولة والمجتمع في أميركا أن تيارا فكريا لا يتفق مع رؤيتها للأمور قد بدأ يشق طريقه إلى وعي الجماهير، فإنها تقوم، كما أشرنا سابقا، بتكليف أحد عملائها باختلاق ما يكفي من الأكاذيب للتشكيك في مصداقية صاحب الفكرة وأمانته واخلاصه لوطنة، واطلاق الشائعات التي تتحدث عن أخلاقه «الفاسدة» وسلوكياته «المُنحرفة»، وتاريخه «غير المشرف»، والعمل على اقصاءه وحرمانه من الظهور على شاشات التلفزيون والراديو. فهذه وسيلة أفضل وأسهل بكثير من التشكيك في صلاحية الفكرة المعنية لأنها تغتال شخصية المفكر. 
ولما كانت الإشاعة هي قوت العقل في كل مجتمع جاهل غير قارئ كعامة المجتمعات العربية، فإن اغتبال شخصية المفكر تصبح الوسلية الأفضل لاغتيال العقل العام، فيما يصبح اغتيال العقل الأداة الأكفأ لقتل الفكر الإصلاحي ومحو آثاره من المجتمع، ونفيه إلى بلاد «الكفار» في الغرب أو إلى غياهب السجون. وهذا يتم في العادة دون خوف من خروج الجماهير في مظاهرات تندد باغتيال العقل أو الفكر أو حتى البشر، فالعقل الجمعي العربي معطل عن التفكير منذ زمن طويل، والفكر السائد هو فكر قديم متعفن لا يصلح لشعب أو زمان او مكان. أما الإنسان فهو أرخص شيء يمكن أن يضحي المجتمع المؤمن به حفاظا على القيم والتقاليد والمعتقدات التراثية والدينية؛ وهذه سمات ثقافية ومواقف ايديولوجية لا يمكن لها أن تسهم في نهضة مجتمع أو صحوة أمة. 
وفي ضوء قدرة الإشاعة والخرافة والاسطورة على استثارة خيال الإنسان العربي، فإن اشغال الشعوب بالاشاعات والاساطير والخرافات أصبحت من اهم وسائل الهاء الجماهير العربية وصرف أنظارها عن التفكير الواعي في واقع حياتها المزري؛ وهذه عملية تقوم بإدارتها وسائل الإعلام العربية، إلى جانب مراكز متخصصة في الغرب وإسرائيل تقوم بتصنيع الخرافات والأدعية ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. أما اتجاه الإنسان العربي إلى الشك في كل فكر جديد ومفكر يظهر على الساحة العامة، فيعود إلى ثقافة الشك بالغير التي ورثها العربي عن عصر البداوة البائد. إلى جانب ذلك، جاءت ثقافة الاستهلاك منذ منتصف القرن الماضي لتحل محل ثقافة الإنتاح وتقوم بتدميرها، ما تسبب في إضافة مشاعر الغيرة والحسد من الشخص الثري والإنسان الناجح بغض النظر عن مجال عمله، فيما يقوم المثقف العقائدي بالتشكيك في أمانة المثقف الحقيقي وكراهيته أحيانا. الأمر الذي جعل مشاعر البغض والكراهية والحسد والشك تغدو أهم مكونات الغذاء الثقافي والروحي الذي يتغذى عليه العقل العربي التقليدي، وتعيش الثقافة الشعبية على مخلفاته من نفايات عهود لم تعرف العلم أو الحرية ولا العقل المفكر الذي يقوم بدور فاعل في حياة الشعوب وصنع المستقبل.