القوة فوق القانون


ذكر لنا التاريخ في صفحاته السوداء، الدموية والمبهة عن أحداث تقشعر لها الأبدان، التاريخ للأسف هو صراع أبدي حول السلطة والمكاسب، لكن القاسم المشترك ما بين الفضائع والمجازر المرتكبة أنها كانت صادرة من شعور كبير النقص والدونية، ومن ضمن ما خلده التاريخ قيام الإمبراطور الروماني كاليجولا، بارتكاب مجازر عديدة في حق شعبه والشعوب الأخرى، واشتهر بجنونه وطغيانه، وقد فسر العلماء أفعاله بإنها ناتجة عن خلله النفسي والذهني، وعرف عنه المجون وجنون العظمة ووصل حد أكله للحوم البشر.
كذلك نيرون الإمبراطور الروماني الذي اشتهر في التاريخ بجنونه ومجونه، والذي كان متعطشاً للدماء، حيث عمل على سفك دماء المسيحيين واضهادهم، فضلاً عن قتله لزوجته، ثم حاول اغتيال والدته بتدبير مؤامرة لإغراقها ولكنها نجت، فقام بإرسال جنوده إلى قصرها لقتلها ثم احراق جثتها، ولعل أشهر الكوارث التي حدثت على مر التاريخ هو إحراق «نيرون» لمدينة روما القديمة، واستمر الحريق أسبوع كاملاً نتج عنه احتراق ثلثي مدينة روما وتحويلها إلى كومة من الركام.
كما قامت الملكة ماري الأولى أول ملكة لإنجلترا، والمشهورة باسم «ماري الدموية»، حيث حكمت بيد من حديد واشتهرت بدمويتها واضطهادها للإصلاحات البروتستانتية، وأعدمت الآلاف من شعبها حرقاً.
أما في روسيا فقد اشتهر القيصر إيفان الرابع، والملقب «بإيفان الرهيب»، بسبب ما كان يفعله نتيجة نوبات جنونه التى كانت تنتابه، حيث كان يقوم بتعذيب ضحاياه بأن يهشم أرجلهم قبل إلقائهم فى الثلج، وكان يجري عمليات اغتصاب وقتل جماعي للنساء الارستقراطيات، كما كان يقوم بمجازر كبيرة ويأمر بإبادة جماعات بأكملها، وقام بقتل ابنه في نوبة من نوبات جنونه.
وفي الطرف الآخر من الكرة الأرضية بالولايات المتحدة الاميركية اعتبر جيم جيمس وازين جونز نفسه وريث الله على الأرض، وأدعى النبوة، وفي عام 1964 تنبأ بأن العالم سوف يشتعل بحرب نووية في 15 يوليو 1967، وهذا ما جعل الكثيرين يتركون كل شيء ويرحلون معه من إنديانا إلى شمال كاليفورنيا، حيث أقاموا ملجأ اشتروه بمليون دولار، ووصل عددهم لأكثر من تسعمائة شخص مع حوالي 260 طفلا، وفي النهاية قال لأتباعه «إن كنا لا نستطيع أن نعيش في سلام فلنموت في سلام» وأمرهم بتناول السم جميعا، وبعد خمس دقائق كان عدد المنتحرين 913 شخصا في نوفمبر 1978م.
أما في التاريخي الاسلامي فقد اشتهر الخليفة الفاطمي السادس، وصاحب مسجد الحاكم الشهير والموجود بشارع المعز في القاهرة القديمة، بجنونه حيث منع أكل الملوخية ومنع ذبح الأبقار إلا في عيد الأضحى، كما كان مسرفا في القتل، وكان يقوم بوضع النساء في صناديق ويأمر بإغراقهم في البحر.
هذه النماذج من التاريخ هي فقط شذرات متفرقة من حقبات متباعدة تأكد أن التاريخ لايفعل شيئا سوى اعادة الجرائم والدمار، فإذا اسقطنا هذا الواقع التاريخي على وضعنا الحالي لوجدنا انها تجتمع كلها في اسرائيل، فمنذ قيام وعد بلفور، مارست اسرائيل جرائم كاليغولا ونيرون و الملكة ماري الأولى والقيصر ايفان الرابع، وكل الفضائع الاخرى، لكن السؤال لماذا تتم مباركة أعمال اسرائيل بغطاء أميركي ودولي ونحن نعيش في عصر اعلانات حقوق الانسان؟ سؤال ربما لا توجد له اجابة، لان من يملك القوة الاقتصادية والتفوق العسكري و قرار «الفيتو» بمجلس الأمن، هو فوق القانون وفوق التوافق الدولي.
لتبقي القضية الفلسطينية وصمة عار في عصر العولمة وحقوق الإنسان، لأنه لامن مجيب لحق شعب بالكامل في الوجود.
وغير بعيد عن ذلك، فكل الماسي التي شملت العالم العربي فيما يعرف بالربيع العربي، وعلى وجه الخصوص اليمن والعراق وسورية وليبيا، قد وضحت مسألة مهمة جدا أن عدم الاصغاء للشعوب ومطالباته قد تولد انتفاضة دموية، والحال يتحدث عن نفسه حالا، وعليه وجب التنويه الى دول الخليج العربي بالتحديد والكويت على وجه الخصوص أن السكوت عن الفساد قد يولد فوضى، لاتبقي ولاتذر، فالتاريخ هو سيد المعلمين ويفسر لنا أن الدول التي نخر فيها الفساد دفعت الثمن غاليا، وأمثلة دول الربيع العربي هي احسن مثال، اضافة الى لبنان حاليا، لقد وجد التاريخ لتستفيذ منه بالدروس والعبر، وليس للتجاهل، ولعل المؤشرات الخطيرة في مدركات الفساد على المستوى المحلي تدق ناقوس الخطر من أجل تفعيل اصلاحات شاملة وتشديد الرقابة، الوقت يداهمنا، ولامجال للتأخر، وحتى ان كانت قوة السلطة فوق القانون.
والله من وراء القصد،