قياديو الملاعق الذهبية والفراش المبثوث


ابتلانا الله ببعض الناس الذين منذ أن يولدون تتلقى أفواههم الأكل بملاعق الذهب، إذا كان أثرياء الإنجليز هم اول من صنعوا مقولة «يولدون وفي افواههم ملاعق فضة» تعبيرا لثراء ابنائهم وتفوقهم الطبقي، فإننا نحن العرب قد حرفنا القول واستبدلنا ملعقة الفضة بالذهب، اما في الكويت وفي بعض الدول الاخرى أيضا، فقد طبقنا هذه المقولة بحرفنة تامة، بعض القياديين بالفعل ولدوا وفي افواههم ملاعق من ذهب، حيث تبؤوا المناصب تلو المناصب دون خبرة او كفاءة تميزهم عن الآخرين الذين ممن يأكلون بأيديهم منذ ولادتهم، وان كانت المشكلة هو بتخطي معايير المساواة وأسس العدالة كبيرة جدا في تلك التطبيقات، الا ان الإشكالية الأكبر تتجلى حينما يعتقد «صاحب الملعقة الذهبية» انهم بالفعل متميزون ويفهمون اكثر من غيرهم ويعلونهم تفوقاً عرقياً وفئوياً وعقلياً.
لا اريد ان اسمي بعضهم حتى لا أقع فريسة سهلة لتفوقهم العددي الفائض بالمنافقين والمرجفين والمطبلين الذين يطوفون بعرصتهم، ويتغذون على فتات موائدهم، والذي على رأسه بطحه يحسس عليها مثل ما يقول المثل. 
احد هؤلاء القياديين ذو الملاعق الذهبية، لم يلبث قليلا بعد تخرجه حتى عين في منصب قيادي في احدى المؤسسات العلمية، ومن هذا المنصب أخذ يتنقل من واحد الى آخر بهدوء وتطاير وعشوائية الفراشات الموسمية، بحيث لا نعلم كيف ومتى ولماذا انتقل هذا «الولد المدلل» من هذا المكان الى ذاك، في ظل الوضع غير الطبيعي في مجتمع الملاعق الذهبية والجلابيب المخملية، يبدو ان الأكثرية قد اكتفت بالنظر اليهم بعين التعجب وليس الإعجاب، لكن المشكلة ان صاحب الملعقة الذهبية لم يكتفي بأكل الآيس الكريم الإيطالي «جيلاتو» لوحده بملاعقه الذهبية بهدوء الفراشات الموسمية، لكنه ذهب معتقداً بأنه تبوء تلك المناصب لانه متميز ولم يفقه الفرق بين التميز المهني وعقدة التفوق العرقي.
لقد نسي هذا الولد ان زهوه بألوان الفراشات لا تعني إطلاقاً تميزه حتى لو ابهر الناس بألوان مظهره، فالفراشات قد تتوالى على رؤوس الورود وتنقل معها حبوب اللقاح لكنها في حقيقة الأمر اهون الحشرات وأضعفها.
تمثل ظاهرة انتقاء ذوي الملاعق الذهبية لبعض المناصب امام اعين الأكاديميين والمهنيين والمثقفين دعك عنك السياسيين، دون اكتراث بأسس المساواة ونواميس العدالة ومعايير تكافؤ الفرص، احد اشكاليات الدولة المدنية التي من المفترض انها تأسست قبل اكثر من 350 عاما بعد معاهدة واستفاليا عام 1648، قبل هذا التاريخ كانت الحكومات تسير وفق منطق الطبقية الاجتماعية، التي تتجسد في الطبقة الأرستقراطية العليا حينذاك، وهو ما جعل المناصب العليا محتكرة لما اصطلح عليه بذوي الدماء الزرقاء دون مراعاة للكفاءات من عامة الشعب، الكويت باعتبارها دولة دستورية، ودولة مؤسسات، من المفترض انها قد استقرت فيها منذ اكثر من خمسين عاماً أسس العدالة والمساواة الاجتماعية وفق المادتين السابعة والثامنة من الدستور، وهو بالفعل ما تم لا احد يستطيع ان ينكر بأن الكثير من المناصب العليا بالدولة قد شُغلت من قبل كافة الأطياف الاجتماعية والسياسية، ولكن يبقى هنالك نفر قليل ممن يعتمد في وصوليته على ما تبقى من ذلك إرث «الدم الأزرق»، ولا يزال هذا البعض يمارس الفوقية والعنجهية «والأنفة النرجسية»، الأمر الذي يجعله يخيل نفسه بأنه متفوق على الآخرين بفعل جيناته لا مقوماته وعصبيته وليس خبرته وكفاءته، بيد انه في حقيقة الأمر هو لا يتعدى بأن يكون مجرد فرَاش طائش مبثوث لا يلبث قليلا حتى يسقط في نار السراج المنير.