طاقة الكويت الخضراء.. مشاريع عملاقة لتحفيز النمو الاقتصادي


في حين مثلت القمة العالمية لطاقة المستقبل 2020 في أبوظبي أخيرا ملتقى استثنائيا لآلاف المشاركين من 161 دولة ومئات الشركات العالمية بمشروعات الطاقة المتجددة والمهتمة بالأسواق الناشئة ومنها الشرق الأوسط باتت الكويت مؤهلة بقوة لتحرز أسبقية في ذلك بمشاريعها الطموحة لإنتاج الطاقة الخضراء.
وبينما أصبحت طاقة المستقبل محركا رئيسيا للنمو الاقتصادي من خلال فرص تجارية بمليارات الدولارات توفرها تلك القمة التي عقدت ضمن أسبوع أبوظبي للاستدامة فإن الكويت ومع وفرة أراضيها وتمتعها بمصادر هائلة لطاقة الشمس والرياح تدرك أهمية ما تملكه من ثروة خضراء تساعدها في تلبية الطلب المتزايد على الطاقة والانتقال لنمو اقتصادي أكثر استدامة وتنوعا.
ومن هنا جاءت رؤية صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح لتنويع مزيج الطاقة المستخدمة في الكويت بحيث تمثل الموارد المتجددة 15 في المئة من الطاقة المستخدمة في البلاد بحلول عام 2030.
وبالفعل سرعان ما بدأت ترجمة الرؤية السامية العام الماضي حينما افتتحت الكويت أولى مراحل مجمع الشقايا العملاق لإنتاج الكهرباء لتلبية الطلب المحلي على الطاقة من المصادر غير الأحفورية والحفاظ على 12 مليون برميل من النفط.
وفي داخل الشقايا يقع مشروع الدبدبة الذي أطلقته مؤسسة البترول الكويتية لتوليد الطاقة بقدرة 1500 ميجاوات توفر 23 في المئة من احتياجات القطاع النفطي للطاقة من الطاقة الشمسية الكهروضوئية في أول عام من تشغيله.
وفي الوقت نفسه تتم المحافظة على خمسة ملايين ونصف المليون طن من الوقود الأحفوري ضمن جهود القطاع النفطي للحصول على 20 في المئة من احتياجاته للطاقة من المصادر المتجددة.
وكانت بدايات الكويت في التحول من استخدام الوقود الأحفوري في استخراج النفط إلى الطاقة الشمسية عام 2016 عندما افتتحت شركة نفط الكويت مشروع (سدرة 500) بطاقة 10 ميجاوات لتوفير الطاقة إلى 29 مضخة كهربائية في حقل أم قدير غرب البلاد وسط توقعات بأن تحافظ المحطة على نصف مليون برميل من النفط خلال العقدين المقبلين.
وفي مارس الماضي أعلنت نفط الكويت وهي ذراع مؤسسة البترول الكويتية لاستخراج الخام مشروعا لاستخدام الطاقة الشمسية في استخراج 60 ألف برميل يوميا من النفط كمرحلة أولى تصل لاحقا إلى 350 ألف برميل يوميا.
 
وفي هذا الإطار، أكدت مجموعة أكسفورد العالمية للأعمال (أو. جي. بي) أن مشروعات الكويت لاستغلال مصادرها الخضراء رغم أنها "نقطة تحول كبرى" لكن لابد لها من التوسع ببناء محطات جديدة لإنتاج الطاقة من تلك الموارد المتجددة تحقيقا لأهداف الدولة و"حفاظا على النفط من أجل التصدير".
ولفتت المجموعة بهذا الشأن إلى أن احتياجات الكويت من الطاقة سترتفع إلى 30 ألف ميجاوات يوميا مع نهاية هذا العقد مما يعني أنها ستحتاج خلال تلك الفترة إلى محطات إضافية للطاقة المتجددة بقدرة 4500 ميجاوات.
وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الكويتية (كونا) اليوم الخميس، قال مسؤول الشرق الأوسط في (أكسفورد للأعمال) بيلي فيتزهربرت، إن ارتفاع مساهمة الطاقة البديلة في الاقتصاد الكويتي سيؤدي إلى انخفاض واردات البلاد من الطاقة.
وأضاف فيتزهربرت أن تطوير مشروعات الطاقة المتجددة يساهم في التحفيز الاقتصادي من حيث الإنفاق الحكومي على تلك المشروعات لتطوير البنى التحتية لهذا النوع من مصادر الطاقة إضافة إلى الإنفاق المباشر على جهود البحث والتطوير المرتبطة بالصناعة المتجددة.
ولفت الخبير البريطاني إلى تقرير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (أيرينا) لعام 2016 الذي رأى أن حصة المصادر المتجددة من مزيج الطاقة ستتضاعف بحلول عام 2030 ما يعزز نمو الناتج الاجمالي العالمي بنسبة 1ر1 في المئة أو ما يساوي 3ر1 تريليون دولار أمريكي. وأكد أن الأهداف الاقتصادية للطاقة المتجددة في الكويت "ستتحقق" خصوصا أن مناخها يساعدها على تطوير تكنولوجيا للطاقة الشمسية لاستخدامها في الداخل وتصديرها أيضا و"نرى هذا بالفعل مع رواد أعمال محليين في الكويت يطورون أنظمة للتعامل مع الغبار باستخدام اللوحات الشمسية والمطلوب المضي قدما".
وأشار إلى أن الاقتصادات العالمية أخذت تعيد "ضبط الطاقة" لديها بشكل متزايد للتكيف مع تهديدات تغير المناخ في وقت تزداد هيمنة التكنولوجيا المتجددة على صناعة الطاقة في العالم.
وتشير توقعات أكسفورد العالمية إلى أن إعادة توجيه موارد الكويت من النفط نحو التصدير بدلا من الاستهلاك في الداخل سيساهم كثيرا في زيادة صادرات النفط الكويتية وسط توقعات بتزايد قدرة الكويت الإنتاجية من 2ر3 مليون برميل يوميا العام الماضي إلى أربعة ملايين برميل يوميا العام الحالي لتصل إلى 8ر4 مليون برميل يوميا بحلول عام 2040.
إلى ذلك أكد كبير محرري شؤون الطاقة في مجموعة فاينانشيال تايمز البريطانية نيك باتلر في مقابلة هاتفية مع (كونا) أن الكويت تمتلك إمكانات هائلة في إنتاج الطاقة الخضراء لخلق صناعة جديدة تعطي دفعة لجهودها نحو التنويع الاقتصادي بعيدا عن الاعتماد على النفط.
ودعا باتلر وهو أستاذ في كينغز كوليدج في لندن الكويت إلى الإسراع بالتحول نحو الطاقة المتجددة واستغلال إمكاناتها الهائلة في هذا المجال سواء من الموارد الطبيعية أو المالية.
وأوضح أن توجه الكويت نحو الطاقة المتجددة سيمكنها من توفير الكهرباء بنفقات أقل خصوصا أن كلفة مشاريع الطاقة المتجددة تراجعت بنحو 88 في المئة إضافة إلى جعل الكويت مركزا لتصدير الطاقة المتجددة إلى الدول المجاورة.
وأشار إلى أن "قدرات الكويت في الطاقة المتجددة ترشحها بقوة لتقديم فرص في مشروعات الطاقة الشمسية سواء لمقدمي خدمات هذه الطاقة محليا أو من الخارج".
 
من جهته، دعا مدير شركة (قمر إنرجي) الاستشارية بمجال الطاقة في دبي روبن ماليز في مقابلة مع (كونا) الكويت إلى مسارعة خطواتها نحو الطاقة الخضراء مشيرا إلى أن "القضية الأساسية باتت في الانتقال إلى المراحل التالية من مشروع الشقايا وهي أكبر من المرحلة الأولى".
وقال مايلز إن "الكويت لديها قدرات هائلة لإنتاج الطاقة من الشمس والرياح إضافة إلى المساحات الشاسعة والأراضي غير المستغلة وفي المقابل تشهد ارتفاعا سريعا في الطلب على الكهرباء والطاقة المستمدة من المصادر المتجددة أرخص مقارنة مع المستمدة من النفط أو الغاز".
وأشار إلى إمكانات المصادر المتجددة في دفع النمو الاقتصادي للبلاد سواء من ناحية زيادة الإمداد بالطاقة أو الحفاظ على ثروة البلاد النفطية وتقليل وارداتها من الغاز وأيضا خلق الكثير من فرص العمل في حين تسعى الكويت جاهدة إلى زيادة فرص العمل أمام مواطنيها.
ومع ذلك فإن إمكانات مشاريع الطاقة الخضراء في الكويت لا تقتصر على خلق الآلاف من فرص العمل في القطاع الخاص ومجالات التعليم والتدريب والاستثمار في القدرات المحلية والموارد البشرية بل ستؤدي أيضا إلى زيادة هائلة في أجور العاملين في تلك الصناعة إذا حققت الكويت قفزة كبيرة وتحولت إلى مركز اقليمي لتصدير الطاقة المتجددة. وبحسب تقرير حديث أصدرته الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (أيرينا) يمكن لمشروعات الطاقة المتجددة أن توفر 20 ألف فرصة عمل في الكويت خلال السنوات العشر المقبلة.
لكن في الوقت نفسه تتوقع مؤسسة التوظيف العالمية (روبرت والترز) أن يقود استمرار النمو في قطاع الطاقة المتجددة إلى ارتفاع بنحو 110 في المئة في أجور العاملين بهذا المجال على المدى القصير لارتفاع الطلب على الطاقة المتجددة وقالت إن "الأجور التي طال انتظار زيادتها ارتفعت في 2019".
 
وفي هذا الشأن أكد الخبير الكويتي في الطاقة المتجددة المهندس سالم العجمي، أن سوق الطاقة المتجددة يؤدي دورا حيويا في اقتصادات معظم الدول الرائدة في هذا المجال فمنذ عام 2012 وفرت الطاقة المتجددة في العالم أكثر من 52 مليون فرصة عمل.
وقال العجمي لـ(كونا) إن دولا كثيرة بدأت تتجه لتشجيع الطاقة المتجددة في القطاع الصناعي بما يدعم تطور اقتصادات تلك الدول بجانب تغطية مشاريع الطاقة المتجددة نفسها.
واقترح إنشاء هيئة خاصة للطاقة المتجددة تناط بها عملية تنظيم وإدارة مشروعات ناجحة تدعم اقتصاد البلاد أمام أي تقلبات في أسعار النفط مبينا أن الطاقة المتجددة "ستفيد اقتصادنا أيا كانت أسعار النفط".
إلى ذلك تصل نسبة الشباب الأقل من 35 عاما في الكويت إلى 70 في المئة من المواطنين تقل أعمار 37 في المئة منهم عن 15 عاما بحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2017.
وبهذا الشأن أكد فيتزهربرت من أكسفورد العالمية أن "البعد الديمغرافي من حيث نسبة الشباب الهائلة أمر مهم جدا لاسيما أن الصناعة المتجددة لديها إمكانات هائلة من حيث توفير فرص العمل لشباب الكويت".
وأشار إلى أن مشروعات الطاقة المتجددة في الكويت كما في غيرها من دول العالم تحتاج إلى فريق من المهندسين والفنيين وغير ذلك من وظائف الإدارة والإشراف على الصناعة المستدامة.
 
في سياق متصل تستند معظم التوقعات بحدوث طفرة اقتصادية في استخدام الطاقة المتجددة في الكويت إلى ارتفاع في الطلب على هذا النوع من الطاقة مع ارتفاع في الطلب على الكهرباء بنسبة 4ر6 في المئة خلال السنوات الخمس المقبلة مقابل تراجع كبير في كلفة مشاريع الطاقة المتجددة ما سيشكل حافزا لزيادة الاستثمارات المحلية في هذا المجال.
ففي أحدث القفزات التكنولوجية في هذا المجال أعلنت شركة (هيليوجين) الأمريكية للطاقة النظيفة التي يدعمها الملياردير بيل غيتس في ديسمبر الماضي أنها نجحت في تركيز الطاقة الشمسية ورفع درجة حرارتها إلى أكثر من 1500 درجة مئوية لمستويات تجارية ما مكنها من تطوير تقنيات هائلة لإنتاج الوقود تستخدم في صناعات الصلب والأسمنت والبتروكيماويات وغيرها من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وهذه النتائج "الباهرة" أدت بالشركة الأمريكية إلى لأن تتوقع في أحدث تقاريرها أن "الطاقة المتجددة ستحل مكان الوقود الأحفوري في صادرات الكثير من الدول العربية".
لذا فإن الكويت في جهودها لتأمين 15 في المئة من طاقتها من الموارد المتجددة بحلول 2030 تقدم فرصا واعدة للمشروعات الطاقة الشمسية وشركات التكنولوجيا المحلية والأجنبية ذلك أن مشروع الدبدبة مثلا سيحفز السوق المحلية لتأمين على الأقل 30 في المئة من المواد اللازمة مع احتمالات أكبر بالانفتاح على شركات أجنبية طبقا لأرقام أكسفورد للأعمال.
ووسط التوقعات المرتفعة ببناء الكويت مزيدا من محطات الطاقة المتجددة لتلبية أهدافها فإن هناك احتمالات قوية للاستثمار طويل المدى في هذا المجال كما ستؤدي خدمات التكنولوجيا المتجددة إلى توليد المزيد من الفرص خارج السوق المحلي الكويتي وسط التزايد الهائل في عقود مشروعات الطاقة الشمسية بنحو 300 في المئة في منطقة الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين.
فعلى سبيل المثال ذكرت شركة (ذي إنرجي) الاستشارية العالمية في تقرير لافت صدر أخيرا أن عام 2019 شهد نموا ملحوظا في عدد شركات التعدين التي تنشئ مشاريع طاقة متجددة لاستخدمها في "المناجم" إذ جرى الإعلان عن 12 مشروعا جديدا إضافة إلى مشاريع أخرى قيد الإنشاء.
ومن الأسباب الملحة التي تدعم توجه الكويت نحو المصادر البديلة للطاقة قدرتها الكبيرة على تقليل استهلاك المياه لمستويات تصل إلى 17 في المئة في قطاعات الطاقة.
وللعلم تصنف الكويت وباقي دول الخليج ضمن أكثر 10 دول في العالم تواجه تحديات مائية وسط توقعات بزيادة الطلب على المياه في منطقة الخليج بخمسة أضعاف بحلول عام 2050 بسبب الزيادة السكانية طبقا لمعهد الموارد المائية العالمي.
وعموما تبقى الطاقة الخضراء خيارا استراتيجيا للكويت في مسيرتها لتنويع اقتصادها رغم تراجع أسعار النفط وتراجع كلفة الوقود الاحفوري لكن الطاقة الشمسية مثلا أرخص كلفة.
وبهذا الشأن أوضح باتلر من فاينانشيال تايمز أن "تراجع أسعار النفط يجعل البعض يفكر أن التحول إلى المصادر المتجددة سيكون مكلفا إلا أن كلفة المصادر المتجددة تراجعت بشكل كبير جدا والتحول باتجاه الطاقة المتجددة سيكون مؤثرا جدا".
وذكر أنه "لابد للكويت أن تفكر في مستقبلها على المدى الأبعد لتنويع اقتصادها بعيدا عن الاعتماد الكامل على تصدير النفط وتطوير استخدامات الطاقة المتجددة يعتبر أحد أهم أجزاء تلك العملية".