عشت قابوساً ودمت قبساً


في أول حديث إلى شعبه وبعد توليه الحكم في عام 1970، وضع السلطان قابوس رحمه الله نصب عينيه عقل المواطن العماني كي يرتقي بأنسانيته، فكانت العبارة التالية بمثابة قبس أنار درب السلطنة في خضم التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها في أهم مناطق العالم الاستراتيجية، فقال رحمه الله:
«أنا لا أقلل من خطورة المشاكل الأخرى، فالناحية الصحية والمواصلات والطرق كلها مشاكل تواجهنا ولكن الأولوية دائما للتعليم، سنعلمهم حتى في ظل الشجرة، نهضتنا لن تتحقق إلا إذا سبقتها نهضة تعليمية»
في عام 1970 لم يتجاوز عدد الطلبة والطالبات في المدارس «الثلاث» الحديثة الف طالبة وطالبه، وفي غضون عام واحد ارتفع العدد الى سبعة آلاف وما لبث عام واحد اخر ان ينصرم حتى تضاعف العدد الى اكثر من 15 الفا، وبعد عام ثالث ارتفع العدد الى 35 الفا وازداد عدد المدارس الى ان بلغ 111 مدرسة، وفي عام 1974-1975 بلغ عدد الطلبة 150 ألف طالب وطالبه، وفي الوقت الراهن تجاوز العدد أكثر من نصف مليون.
في عام 1970 لم تكن هناك أي مؤسسة تعليمة جامعية في السلطنة، ولكن في الوقت الراهن هناك لا يقل عن 69 مؤسسة للتعليم العالي من جامعات وكليات ومعاهد تخصصية في القطاعين العام والخاص، ينتظم بها اكثر من 135 الف طالب وطالبة فضلا عن آلاف من الطلبة العمانيين الذين تم ابتعاثهم للدراسة في الخارج في كافة دول العالم، حسب احصائية سنة 2015-2016.
أما مؤشرات عمان التنافسية العالمية فهي في تقدم كبير جداً مقارنة بنظيراتها من الدول، على الرغم من محدودية الدخل الاقتصادي المقارن، وفقا للمؤشرات التنافسية لعام 2019 فسلطنة عمان هي الدولة الاولى عالميا في خلو الإرهاب، والسادسة عالميا من حيث الأمن والأمان.
والثامنة عالميا من حيث مهارات القوى العاملة المستقبلية، والعاشرة عالميا من حيث جودة الطرق، و15عالميا من حيث كفاءة الاداء الحكومي، وغيرها من تباشير قبسات قابوس الخير.
لم يتجاوب السلطان الراحل رحمه الله مع التعليم لانه من ضرورات الحياة والحقوق الأساسية للإنسان فحسب، بل كان يرى في التعليم نهضة في جميع الجوانب المادية والمعنوية لسلطنة عمان، فالتعليم الذي داوم التأكيد عليه، هو من أجل تعميق رؤية عمان التسامحية والسياسة العقلانية الهادئة التي تنسل منها ثقافة عامة لجميع المواطنين. وبذلك فهو خلق انسجاماً فريدا من نوعه بين سياسة الدولة وثقافة المواطن الأمر الذي انعكس جليا في مخرجات عمان الخالية من العنف والإرهاب والتعصب تلك الآفات التي غزت جميع دول العام بدرجات متفاوتة إلا السلطنة التي كانت محصنة منها بشهادة جميع المؤسسات الدولية ذات الصلة، وفي سبيل ذلك الانجاز الباهر، لم يتعلم المواطن العماني تحت ظل شجرة بل غدا هو شجرة مثمرة بأخلاقها وحلمها وعلمها وعملها وإنجازاتها.
السلطان قابوس غفر الله له وطيب ثراه، لم يكن قائدا عابرا على محطات صنعها التاريخ، بل انه قائد فذ صنع التاريخ لأمته وشعبه، وبالتالي لا شك من ان قبساته المضيئة ستبقى جُذىً يهتدي منها محبو السلام والخير والتسامح والعدالة والتعقل ليس في سلطنة الخير فحسب بل على امتداد البسيطة في إرجائها القريبة والبعيدة. 
رحمك الله يا سلطان التسامح وتغمد روحك في جنات الخلد، وعظم الله الأجر لنا ولأهلنا في عمان الخير والحب، ونسأل الله التوفيق والسداد لمن خلفه السلطان هيثم بن طارق آل سعيد حفظه الله ورعاه.