23 يوليو....


«إنّ الأمل لم يُكتب لنا إلا بسبب أولئك الذين هم بلا أمل». والتر بنجامين
كل مرحلة دراسية تمر بها تتميز عن الأخرى، لكن تبقى مرحلة عالقة في ذكرياتك بأحداثها المختلفة، فمازلت أتذكر مدرس مادة التاريخ في المرحلة الثانوية الأستاذ مغاوري، عندما كان يسطر لنا ملاحم ثورة 23 يوليو عام 1952 بشيء من المبالغة والتهويل، حيث كان يتقن فنون المبالغات ويسرد البطولات الخارقة التي قام بها الضباط الأحرار وثورتهم على حد تعبيره، ولنكتشف لاحقا أنه انقلاب عسكري بكل ما يعني هذا الوصف من عصيان الأوامر العسكرية.
مازلت أتذكر عبارته حين وصف ذلك الانقلاب، أو ما اعتقد أنه ثورة، بأنه الأمل والرجاء لرد الاعتبار للشعوب العربية التي منيت بالهزيمة على أيدي قادتها ورؤسائها وملوكها، وما كانت الانقلابات التي توالت بعد الانقلاب المصري في سائر الأقطار العربية إلا تعبيرا لهذه الآمال والآلام، والشوق العظيم لمحو العار عن الجباه! 
ويضيف أستاذنا مغاوري أن الخطوط الأساسية للعمل الثوري الذي حتمه قيام الثورة واضحة وجلية، أثبتها جمال عبدالناصر في كتابه «فلسفة الثورة»، حين أكد على وجوب العمل لإعادة بناء مصر من الداخل ورفع الحيف عن شعب مصر الذي أنهكه الجهل والفقر والمرض على حد وصفه.
ومع الأسف فإن كلام الأستاذ مغاوري كان عبارة عن درس في الإنشاء والتعبير ولم يكتب له النجاح إلا في الكتب والنظريات.
كما أن الانقلابات التي توالت بعد الانقلاب المصري في سائر الأقطار العربية لم تجلب سوى الآلام والفوضى والفساد والدمار لشعوبها.
ولو تمت مقارنة تلك الثورات مثلا بالثورة الفرنسية والتي حملت كلمات منغومة أساسها الحرية، والإخاء، والمساواة، والثورة التركية التي قادتها حركة تركيا الفتاة، والثورة الصينية المعروفة باسم حرب التحرير، مقارنة بسيطة وسطحية لبانت لنا فروقات وآثار مختلفة واضحة على أرض الواقع من خلال أن تلك الثورات لم تقتصر على الرفض بل صاحبتها صناعة مجتمع جديد.
ما أفرزته ثورات الوطن العربي لم يحل الا الخراب للعباد، وأنتجت أسوأ النماذج، ولو انصرفت تلك الثورات إلى بناء أوطانها وإسعاد شعوبها لوفرت له العيش الرغيد والآمن ولكانت في طليعة الشعوب الراقية، ولأصبح لها من القوة والمنعة ما يجعلها تفرض رأيها فيما تراه حقا.
وفي هذه الحالة التي تعيشها بعض أقطار وطننا العربي في سورية، العراق، ليبيا، اليمن، لبنان تتلفت القلوب والأرواح لتتساءل هل ضاعت الفرصة وهل فات الأوان أم هناك متسع من الوقت لتصحيح الأخطاء؟