زيارات سرية للغاية «5»


من ضمن أحد أفراد الأسر المتعفّفة شاب اسمه «علي» وكان عمره مقاربا لعمري آنذاك حيث كنّا في سن الثانية عشرة، وكان علي شغوفا بالتجارة إلى حدٍّ كبير وكان يتحدّث عن حلمه بأن تكون لديه بضاعة تجارية ويبيع ويشتري ويكون له اسم كبير منذ صغره، ولكن صعوبة حالت بينه وبين حلمه فما تحقّقت أمنيّته.
كان يحدّثني عن أمنيّته بأن تكوّن شراكة معي في محل لبيع العصائر والأغذية في المنطقة التي يقطنها، فسألت جدّي عن حلمنا في هذا المشروع وبأنّنا لا نملك المال الكافي لتمويله، ففكّر جدّي مليًّا ثم قال: «سأجلس معك أنت وعلي ونتحدّث عن مشروعكما ونتناقش حوله»، كان جدّي ذكيا وحكيما في مثل هذه الأمور وبالخصوص في موضوع زرع الثقة، فاهتم لمشروعنا كما لو أن عمرنا في العشرينيّات أو أنّنا من ذوي الخبرة في السوق، فأخبرت صديقي علي بالأمر ففرح فرحا شديدا، فجلسنا نحن الثلاثة وكأنّنا في اجتماع أعضاء مجلس إدارة شركة فعلية، فتناقشنا وتحاورنا وتفاعلنا مع جدّي وفي نهاية المطاف اتّفقنا على أن أدخل مع علي بمالي وهو يعمل بمجهوده وتكون الأرباح بيننا بالنصف، فوافق على ذلك علي وكان مسرورًا للغاية، وبعد فترة من الزمن أدركت أن جدّي قد أخذ هذه الخطوة حتى لا يحرج علي حيث كانت شخصيّة علي حساسة لأنّه صاحب كرامة وعزّة نفس على صغر سنّه.
من محاسن الصدف بأنّني التقيت بعلي صدفةً في أحد الأسواق التجارية وأخبرني بأنّه أصبح تاجراً للمواد الغذائية، وأخبرني بأن كل الفضل يعود لجدّي وحكمته ويده المعطاءة، فقرّرت أن أصطحبه لجدّي في يوم من الأيّام، وزار جدّي ومذ أن رآه جدّي سعد برؤيته وابتهج.
يمكنني أن أقول بأنّني كنت أستقي العِبَر والمواعظ في كل لحظة من حياتي مع جدّي ومن خلال هذا الدّرس تعلّمت الحكمة والثقة بالنّفس وأهميّة الوثوق بالآخرين - إذا كانوا يستحقّونها -، فكانت وما زالت هذه القصّة ملهمةً لي في كل خطوات حياتي حيث علّمتني المثابرة والإصرار على الجد والاجتهاد، وعلّمني جدّي بأنَّ كل مشروع صغير بفضل العمل الجاد والمثابرة يمكنه أن يكبر ويتطوّر ويحقّق نجاحًا يتلوه نجاح.