التحالف السياسي مع التجار


ما اختتمت به السيدة جنان بو شهري تعقيبها على الاستجواب المقدم لها، كان هو كل شيء! لقد كان خلاصة الموضوع المحرم الحديث عنه بالعلن من قبل الوزراء وفي مجلس الامة، حيث تضمن كل شيء! لم تقل شيئا فريدا او مجهولاً او انها قد أعلنت عن سر مكبوت، ولم تفصح عن شيء كان مستوراً، ولم تحل لنا لغزاً معسوراً، ولكنه كلام تبطن كل شيء! 
كان حديثها يفصح عن اشكالية عميقة يعاني منها اغلب السياسيين وتتمثل في صعوبة الموازنة بين تحدي اصحاب المال، ومحاذير الوقوع في شراك الاعمال. 
وحتى أكون واضحا من دون تجني او تلبد، لقد اعترفت السيدة جنان بأنها، وفي خلال فترتها الوزارية التي لم تتجاوز سنة، وقعت ما يقارب الثمانين عقدا محصلتها اكثر من مليار دينار! فلماذا يستوجبها التجار، قد يقول قائل من الشطار، لربما الفريق الذي لم يحصل على نصيبا من تلك العقود او البعض ممن تم ادانتهم وعوقبوا هم المقصودين بما ذهبت اليه، ولكن، وفي ذات وزن النقد، يمكن تقديم الرد.. لماذا لم يقف معها اصحاب الثمانين عقداً البالغة اكثر من مليار دينار! أليسوا هؤلاء تجار ولهم من الشراكات والتأثير والارتباط كنظرائهم ممن ثار ضد السيدة جنان! هنا تتجلى اشكالية التحالف السياسي مع التجار.
التاجر في حقيقته إنسان عاقل باحث دائم عن تعظيم مصالحه، وهذه الصفة هي التي جعلته تاجرا دون غيره من عوام الناس، فهو مخلوق ذكي يعرف متى يتحالف ومع من، واين، ويحسب التكاليف بمعادلاته المتجردة من العواطف، بخلاف السياسي الذي يقحم في معادلته احيانا الجوانب المعنوية والوجدانية غير قابلة للقياس. 
فالتاجر يرهن قراراته وحركته وفق لعبة المنفعة، او ما يسمى «بمعادلة المنفعة المتوقعة من القرار»، لذلك فهو مختلف في سلوكه تجاه الآخرين بما في ذلك المتضامنين معه او حلفائه السياسيين، فهو ذو سلوك وأسلوب مختلف فيما بين وقبل الحصول على المنفعة وما بعدها. فقبل الحصول على منفعته تكون قراراته تضامنية وتشابكية وذات اعتماد متبادل مع حلفائه، ولكن فور فوزه بالمنفعة يكون سلوكه مختلفا، حيث يعاود مراجعة حساباته مرة أخرى في إطار منفعة متوقعة من قرار وقوفه او الى جانب حلفائه السابقين او ضدهم او في الحياد. فنقطة ارتكاز قرار التاجر تعود على المصلحة المتوقعة التي قد تختلف في معاملها وبسطها ومقامها وقسمتها مع حسابات الرجل السياسي.
لم يقف من السيدة جنان التجار الذين وقعت معهم العقود المليونية، لانهم لا يودون الدخول في معترك لا يعود اليهم بالمصلحة، ولو عرفت جنان حسابات التجار تلك لكانت تماطل وتراوغ وتضع الشروط والمتطلبات التي تجعل حلفاءها في قلب المعركة لكي يخوضوا معها غمار المنازلة في حلبة الاستجواب في قاعة عبدالله السالم.
هكذا يخسر الكثير من السياسيين معاركهم بينما يبقى التجار في مواقعهم، السر في طريقة الاحتساب، لذلك اصر المختصون في الديمقراطية على ابعاد التجار عن ممارسة السياسة وعلى ذات المستوى ابعاد السياسيين عن مزاولة التجارة، ليكون بينهما برزخ لا يمتزجان،
اما الوضع الراهن فلا يمكن ان يستقيم طالما ان هذا البرزخ قد تم اقتحامه ليتساقط على قوامه ضحايا بيوت العز.