فاعلية التبادل الإعلامي الدولي


التخطي المعلوماتي للحدود القومية والوطنية يثير تساؤلات محورية وأساسية ومهمة لكل المجتمعات، بغض النظر عن وضعها الإقتصادي والمشاكل التي تواجهها أو الضغوط التي تتعرض لها، وتتصل هذه التساؤلات بعدد من القضايا الأساسية، وهي: السيطرة الثقافية؛ والإنتاج الثقافي؛ وتوزيع الإنتاج الثقافي؛ والوصول إلى المعلومات السياسية والإقتصادية والإجتماعية...الخ للدول الأخرى؛ وخلق نظام إعلامي عالمي جديد؛ وتنظيم عمليات تدفق البيانات عبر الحدود الوطنية، والتحكم فيها عن بعد؛ وتحديد سياسة الدولة في المجالات الإقتصادية والثقافية والإجتماعية ....الخ؛ وتنمية طاقات وطنية تكنولوجية وإنتاجية؛ وإعادة بناء الفهم لما هو وطني وقومي بالمعنى الثقافي والتاريخي والتراثي وغيره.
ولهذه القضايا المطروحة دائماً للبحث بعدها العالمي وانعكاساتها على معظم دول العالم، إلا أنها تبدو بالنسبة للعديد من الدول النامية، أكثر ضغطاً وإلحاحاً لآن دول إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، هي بالمعنى الجوهري من الدول التي بمعظمها قد استقلت حديثاً وما زالت تعاني من مشاكل التخلف الموروثة عن العهد الإستعماري، ونضيف إليها الدول المستقلة حديثاً بعد إنهيار المنظومة الإشتراكية والاتحاد السوفييتي السابق، والتي تعاني من مشاكل الانتقال من النظام الإشتراكي، إلى النظام الديمقراطي الحر واقتصاد السوق والسيادة الوطنية، وتسعى حثيثاً لإيجاد مكان لائق لنفسها في النظام الإعلامي العالمي، وللمشاركة الفاعلة في عملية التبادل الإعلامي الدولي. 
وتساعد وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، على تكوين المواقف من القضايا المطروحة، أو تضخيمها. وتلعب دوراً كبيراً في عملية التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري، لدى القراء والمستمعين والمشاهدين.
كما تساعد وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية في تدعيم سلوك الجمهور الإعلامي من موقف معين، أو التشكيك به، أو رفضه، أو تغييره لصالح موقف جديد، وهذا متوقف على مدى تكثيف الحملة الإعلامية والوسائل المستخدمة فيها، ومدى وضوح موقف مستقبل الرسالة الإعلامية من القائم بالإتصال، أو تعرض مستقبل الرسالة الإعلامية لموقف إعلامي غير متماسك أو لصور نمطية سبق لمستقبل الرسالة الإعلامية وتعرض لها، ومدى تحيزه من مضمون الرسالة الإعلامية بحد ذاتها.
ولابد للقائم بعملية الاتصال من معايير خاصة يعتمد عليها، من أجل الوصول إلى فاعلية أكبر من الحملات الإعلامية الدولية، وإمكانات أكثر للوصول إلى الأهداف المرسومة للحملة الإعلامية، ولابد من مقاييس يعتمد عليها المخططون للحملات الإعلامية، والقائمون بالاتصال لتحديد مدى نجاح أو فشل الحملة الإعلامية، ومن تلك المعايير مثلاً القدرة على التصدي للإعلام المضاد الموجه لنفس الساحة الإعلامية، ومدى قدرة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية المستخدمة من قبل القائمين بالاتصال على انتزاع المبادرة من الإعلام المضاد والتوجه إلى الجمهور الإعلامي بشكل أكثر فاعلية في المواضيع المطروحة. 
ويعتبر المعيار من الأمور الهامة جداً لقياس راجع صدى الرسالة الإعلامية، ومعرفة مدى نجاح الحملة الإعلامية. ولو أن الظروف الدولية من تأزم أو إنفراج العلاقات الدولية، تعتبر من الأمور الخارجة عن نطاق المعايير الإعلامية، ولكن الحملات الإعلامية قد تؤدي في بعض الحالات إلى إنفراج أو خلق الأزمات في العلاقات الدولية المتشعبة. ومن المناهج المستخدمة لقياس راجع الصدى في الحملات الإعلامية الدولية، نذكر:
- المناهج الإستقرائية: التي طورتها إدارة الإعلام والتعليمInformation and Educational Division في جيش الولايات المتحدة الأمريكية من خلال البحوث التطبيقية التي أجرتها إبان الحرب العالمية الثانية، وأعقبتها أبحاث هوفلاند وزملائه. وجرى من خلال تلك الأبحاث قياس تأثير الإتصال من خلال التجريب المحكم بالتركيز على العناصر التالية:
- القائم بالإتصال: إذ تبين أن تأثير الرسالة الإعلامية يزداد في حالة إذا كان القائم بالإتصال ينقل مواقف تتماشى ومواقف مستقبل الرسالة الإعلامية. وأن المستقبل يبدأ بنسيان مصدر الرسالة الإعلامية، أو القائم بالإتصال بعد مدة وجيزة، وهو ما أطلق عليه إسم الأثر النائم وأنه هناك عوامل مساعدة أخرى لزيادة التأثير الذي يمارسه القائم بالإتصال، على مستقبل الرسالة الإعلامية كالسن والجنس والمظهر الخارجي للقائم بالإتصال.
- الرسالة الإعلامية: إذ تبين أن زيادة فاعلية الحملة الإعلامية الدولية يمكن أن يتم في حال إذا تماشت الرسالة الإعلامية مع أهداف الحملة الإعلامية الدولية، وإحتياجات مستقبلي الرسالة الإعلامية، والقيم السائدة والمواقف الفكرية والأراء والمعتقدات الخاصة بهم. ولوحظ أيضاً أن العرض الجزئي للمشكلة أكثر تأثيراً على المستقبل إذا كان محدود الثقافة والتعليم. وأن عرض المشكلة من كل جوانبها يكون أكثر تأثيراً على المستقبل الذي حصل على نسبة أعلى من التعليم والثقافة، أو إذا كان المستقبل يعارض مبدئياً مضمون الرسالة الإعلامية، وهذا يمكن أن يساعد على تحصين المستقبل ضد الدعاية المضادة، فيما لو روعيت عناصر إختيار المصادر الإعلامية، والطريقة التي يتم من خلالها عرض الرسالة الإعلامية، مع التطورات السابقة واللاحقة للقضية المطروحة.
- الوسيلة الإعلامية: إذ تبين أن الرسالة الإعلامية والوسيلة الإعلامية مرتبطتان الواحدة بالأخرى، لأن طريقة عرض وتقديم الرسالة الإعلامية مرتبط بالتأثير الإعلامي إلى درجة تعادل أهمية الرسالة الإعلامية نفسها. وأنه لابد من مراعاة مدى انتشار كل وسيلة إعلامية جماهيرية في الأوساط المستهدفة من الحملة الإعلامية الدولية قبل إستخدامها، واختيار الوسيلة التي يمكن أن تعطي أكبر قدر ممكن من التأثير والفاعلية الإعلامية. وهناك من يرجح الإتصال المباشر، ومن يرجح الإذاعة المسموعة، ومن يرجح الإذاعة المرئية، وهناك من يرجح المادة المطبوعة، وكلها إحتمالات يمكن الإستفادة منها في حدودها الممكنة.
- مستقبل الرسالة الإعلامية: ويتوقف على معرفة خصائص مستقبل الرسالة الإعلامية من النواحي الثقافية والفكرية والمعتقدات والمواقف السياسية وأنماط السلوك والسن والجنس والوضع التعليمي والوضع الاجتماعي والإقتصادي، والعنصري، والإقليم الجغرافي، والتنظيم أو النظام الذي ينتمي إليه.
- المناهج الاستنباطية: المعتمدة على النظرية السلوكية، التي تركز على تغيير المواقف وتكوينها وتعديلها، ونظرية المعرفة، التي تعمل على شرح تكوين المواقف وتعديلها والتنبؤ بأثر عملية الاتصال، والتركيز 
على تعديل المواقف من خلال معتقدات وعواطف الفرد، وتحقيق التوافق المنطقي لمعارف الفرد، وكلها تعتمد على عملية الاتصال.