حرب الشائعات.. كيف نواجهها ونظرية الأضداد؟ «الجزء الثاني»


في مقال سابق تناولت موضوع الشائعات، واليوم أكمل عليها لما لها من مخاطر جمة إن لم يتم التصدي لها وقلت إن الشائعات هي من طبيعة النفس البشرية عبر الأزمان والتاريخ فطبيعة الناس غير الملتزمين بالأخلاق القيمية يطلقون الشائعات، ولنا في حكاية سيدتنا عائشة ابنة الصديق رضي الله عن أبيها وعنها خير مثال ولقد برأها الله جل علاه في قرأنه الكريم وكذلك وأيضا، فقد ذكر القرآن الكريم في محكم آياته حرمة الشائعات فقال جل علاه (بسم الله الرحمن الرحيم. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْما بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ» صدق الله العظيم، وخاصة وفي ظل الأوضاع المتوترة في منطقتنا الخليجية، بل على مستوى الشرق الأوسط نجد أعداء الأمة يستخدمون الشائعات لضرب إسفين الفتنة ولخلق حالة من الفوضى، لذلك يجب التصدي للشائعات وهي في مهدها، وقلت إنه ناحية وفق سيكولوجية نظريات الإعلام والانتشار، نرى هناك من يكون مستعدا لتقبل الشائعات بحسب تركيبة الأشخاص النفسية والاجتماعية والفكرية، ونضيف بسبب الظروف الاجتماعية وهي ما يتم استغلالها لترويج الشائعات من حلالها، بل نجد بعض مروجي الشائعات يزيدونها ببعض البهارات بحسب مزاجهم وفراغ أوقاتهم وأجنداتهم التخريبية، لذلك الشائعات تنتشر سريعا، مثل اللهب الذي يحرق العشب في السهول والغابات فتسبب حرائق ودمارا، لذلك يجب التصدي لها مع أول انطلاقة لها والرد عليها ووأدها وفق نظرية الأضداد بعد دراسة معلومات عن مصدرها وشخصيته وتبعيته وتركيبته النفسية، وأيضا تستخدم النظرية الإعلامية الطلقة السحرية في قصفها إعلاميا. 
ولقد تطورت إستراتيجيات نشر الإشاعات لتكون لأغراض سياسية وعسكرية هدفها خلق الفوضى والربكة، حيث يعتمد مطلقوها من التابعين لمنظمات السياسية والإرهابية على نظرية، تقول: «إن الناس مستعدون لتصديق الكذب، مهما بدا زيفه، إذا ما صادف هواهم ورغباتهم وتلبية إحتياجاتهم المادية وغير المادية، وهم على استعداد لتكذيب الصدق، مهما بلغ وضوحه إذا ما خالف هواهم، كما أن رضا الناس غاية لا تدرك وأن الكمال لله فإن الإشاعة تجد لها قبولا إذ لم يتم التصدي لها وفق عمل ممنهج تواتري النشر للانتشار، وتبيان أن الإشاعة ما هي إلا خبر كاذب يحتوي على معلومات مضللة، ومع ضرورة أن يكون الرد مصمما بأن يلتقي في المضمون أو جزءا منه، ويتناسب اختلاف الثقافات في المجتمعات المدنية والعسكرية».
الإشاعة إحدى أهم أدوات الحرب النفسية إلا أنها تجمع في مضمونها أغلب خصائص الحرب النفسية، التي منها الوسيلة «الإنسان» والغاية «الروح المعنوية للخصم» ومع هذا فإن الإشاعة تظل إحدى أدوات الحرب النفسية.
تشن حرب الشائعات في أوقات السلم والحرب، وتؤثر في الاتجاهات النفسية للإنسان، وروحه المعنوية، كما أنها من أروع من تحدث عن الشائعات جوزيف جوبلز، أحد مؤسسي علم الشائعات، حيث تناول موضوع الجاسوسية والتمويه، فقال إن الشائعات فن من فنون عالم الجاسوسية، ولكل شائعة غاية مهمة، وغاية، وهدف، وتعمل وفق رؤية علمية، ويختار زمانها وهدفها وبعناية فائقة، ومن أهدافها جمع معلومات استخباراتية عن الخصم قبل ترويجها والضغط على الناس على التعامل معها أما يعرفها جان مازونوف فيعرفها في كتابه «علم النفس الاجتماعي» بقوله: «الشائعة هي ضغط اجتماعي مجهول المصدر يكتنفه عموما الغموض والإبهام ويحظى عادة باهتمام قطاعات عريضة من المجتمع.
وكما قلت تعد الشائعات من أهم الأدوات التي تعتمدها الحرب النفسية من أجل تحقيق أهدافها، التي منها تحطيم معنويات المجتمع، وتحطيم الثقة بمصادره الإخبارية، وتستخدم كطعم لمعرفة ردود الفعل ومعرفة معنويات المجتمع وقواته العسكرية وتزدهر في الأوساط المجتمعية الأقل تعليماً والأكبر سناً، ومن غاياتها إضعاف إيمان الشعب بعقيدته وأفكاره ومبادئه القومية والوطنية والقيمية، كما تركز الإشاعات في أيام الحرب على عاملين نفسيين - الخوف والرغبة - الخوف ويعتمد التشكيك في القدرات والتهويل والرغبة لتغذي التفاؤل بالإصلاح.
ونلاحظ أن الإشاعة تبدأ بكلمة قالوا، ويقال «قالوا - وسمعت - وذكر مصدر مطلع.. أو صناعة صور ومشاهد من خلال برامج الفوتوشوب أو المونتاج التلفزيوني أو الفيلمي بشكل وكأنه الحقيقة في حين أنها تعمل وفق مقولة «جعل من الحبة قبة» والهدف هو التغيير والتشويه - التضخيم أو المبالغة لضمان شدة انتشار الإشاعة وإصابتها بالغموض، لذلك تصنف الشائعات إلى اليائسة: وتتلخص في التخويف والكراهية وتحويل الولاءات ونشر الفتن، ونرى الشائعة الزاحفة، حيث وسيلتها الاتصال والنقل الشفوي ومصدرها مجهول، وتروج ببطء ويتناقلها الناس همسا وبطريقة سرية تنتهي في آخر الأمر إلى أن يعرفها الجميع.
الشائعة العنيفة هي التي تتصف بالعنف، وتنتشر انتشار النار في الهشيم، وهذا النوع من الشائعات يغطي جماعة كبيرة جدا في وقت بالغ القصر، ومن نمط هذا النوع تلك التي تروج عن الحوادث والكوارث أو المظاهرات والإحتجاجات، أما الشائعات الغائصة فهي التي تروج في أول الأمر ثم تغوص تحت السطح لتظهر مرة أخرى عندما تتهيأ لها الظروف.
ولمواجهة الشائعات يجب على مؤسسات أي دولة وخاصة الإعلامية أن تدرك أهمية وسائل الاتصالات والإعلام في مواجهة الشائعات عن طريق ما يلي:-
1- رصد أي إشاعة وكشفها للجماهير وبيان حقيقتها وهدفها وبيان الهدف من ورائها عن طريق كل وسائل الإعلام والنشر التقليدية والحديثة بشكل مستمر وتواتري، عن طريق رسائل إعلامية مؤثرة ترسل لجميع شرائح المجتمع كل شريحة تصمم لتتناسب مع تلك الشريحة «كبار السن - الشباب - الناشئة - الطلبة - منظمات المجتمع المدني».
2- رصد الشائعة والرد عليها بحسب نظرية الطلقة السحرية التي تكشفها وتجردها من حقيقتها وتحذر منها وتجعل مصدرها عدوا للمجتمع، وملاحقة ومتابعة تلك التغذية المرتدة بشكل مستمر لكشف مساراتها وإطلاق الرصاص السحري عليها، مع استخدام لغة الصور والبيانات والأرقام لدحرها.
3- عمل بيانات صحافية بشكل متواصل لتزويد وسائل الإعلام المحلية والخارجية بأكاذيب الشائعات وكشف شخصية مطلقها.
4- تفعيل القوانين بحق مروجي الإشاعات في الداخل بحسب قانون الأمن الوطني، حيث إن لكل منظمة أو أصحاب فكر أذرع.
5- استخدام المحاضرات في المدارس والمساجد للتصدي لمروجي الإشاعات، حيث إنه محرمة في القرآن والأحاديث النبوية الشريفة وهي تدمر العقول وتسبب الفتن والفوضى وتشتت المجتمعات الآمنة.
6- يجب على جميع أفراد المجتمع التصدي لهذا العدو المتخفي والتغلب على أسلحته غير التقليدية، لأن حرب اليوم ليست حرب دبابات ومدافع، بل حربا ثقافية ونفسية واجتماعية، يراد منها التأثير على العقول والأمزجة واستبدال الثقافات وصولاً إلى السيطرة على الشعوب والبلدان.
7- يجب على خبراء الإعلام والاتصالات أن يبينوا للجماهير في جميع فئاته الفرق ما بين الدعاية والحقيقة، حيث يذكر علماء النفس الإعلامي مقولة «فإنك إذا وافقت على ما يقال مما تراه أو تقرأه أو تسمعه» فإنه حقيقة، وإذا لم توافق عليها فإنها دعاية، وما يجعل الخبر دعاية السؤال لمن جاءت ولماذا ومتى وكيف، وعليها فإن تحليل الدعاية يشمل تحليل ما تحاوله جهة ما من جعل الناس تفكر، بينما تحليل الرأي يشمل تحليل ما يفكر به الناس لبلورة الرد بمحتواه بما يتناسب مع عقولهم ونمطهم الفكري.
8- تفنيدها باستهداف المساحات الغامضة فيها وتوضيح تلك المساحات الغامضة على اعتبارها ثغرات تم اكتشافها وبيان كذبها ومن ثم تدميرها بحقائق المعلومات أي القضاء على الإشاعات بالمعلومات.
يقول المفكر الاستراتيجي كلوزفيتز أن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل مختلفة وأن الدعاية لا تعمل في فراغ منفصل من الحقائق الاجتماعية أو السياسية، وأنها وسيلة أساسية يحاول القادة بواسطتها أن يكسبوا تأييد الجمهور لسياساتهم أو أن يتجنبوا بها المعارضة لتلك السياسات، ويتوقف نجاح عملهم أو فشله على مهارتهم في استغلال فن الدعاية.
ويقول زعيم النازية «هتلر» «إن أسلحتنا الاضطراب الذهني وتناقض المشاعر والحيرة والتردد والرعب الذي ندخله في قلوب الأعداء».
كما أود أن أذكر موضوع الرد على مطلقي الإشاعات أو أي مناظر ومروج لها أنه يجب أن تسخدم الأجهزة الحكومية في أي بلد لنظرية الأضداد، فلا يجب أن يكون الرد إلا من مرتبة أقل من مرتبة مروج الإشاعات لكي لا نعطيه حجما أعلى من واقعه ولكي لا نجعل صانع الإشاعة رمزا بل أقل مقام وشأنا في المجتمع.
تحياتي،،،