فزت ورب الكعبة.. كلمات في بحر أم الكتاب


ما كنا نتصور أن ينطق إنسان بعبارة فزت ورب الكعبة وهو في حال تلقي ضربة سيف حاد على الرأس؟ لا شك إنها حدثت، والصادح بها هو أمام المتقين وباب مدينة العلم علي أبن أبي طالب عليه السلام؟ ولكن السؤال لا يزال مستحقا.. أي إنسان هذا يمكنه أن ينطق بهذه العبارة وهو في ذلك الحال؟ طبعا لا يمكن لأي إنسان أن يكون كذلك إلا عندما يكون ذو حظوة بمقومات الأيمان العلم والحلم والتقوى والشجاعة والوفاء والسخاء، هو بالتأكيد الأمام علي أبو الحسنين وزوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهم أجمعين، لا يمكن أن يكون أي أنسان عادي كذلك إلا عندما يكون متيقنا بوقوعها في ساعة ليلتها القمرية شهادة محراب بشره بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا أدري لماذا كلما تفكرت بذلك الرجل الفذ وجدت نفسي أمام بحر علم ومنهل حلم ومجال غير محدود للتقوى والورع والنبل، ولا عجب أن يكون الإمام علي عليه السلام من أبرز الشخصيات التي تناولتها كتب السير، ومضي في رحابها الفلسفية أكابر العلماء شرقا وغربا متمعنين ومهطعين له رؤوسهم بالتبجيل والتوقير، لقد بلغ الحال أن تناولته الأمم المتحدة في أحد وثائقها كرمز للحكم القويم، وذلك في تقرير خاص للتنمية البشرية نشر عام 2002 عن الدول العربية حينما استشهد بأحد رسائله ومواعظه عن العدالة والشفافية في الحكم كدليل، بل اعتبرها قواعد إنسانية للحكم بين الناس واحترام الرأي الآخر وإشاعة التسامح بين بني البشر، وهي تلك القيم التي دعا التقرير دول العالم للامتثال بها والأخذ بنواصيها لتأسيس الحكم الرشيد، لقد ترك الإمام علي عليه السلام تراثا كبيرا للمسلمين والمتعلمين في الفقه واللغة والحكمة والفلسفة والأخلاق والسياسية والاقتصاد والإدارة فهو بحر لا تجزر جوانبه من حدود اليابسة بل يمتد ماءه المعين ويفيض كلما ملئ منه طالبا ليطلب المزيد، هو سندس أخضر معطاء يانع يظهر من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وليس أبلغ من وصف الإمام محمد عبده رحمه الله حينما قال «ليس في أهل هذه اللغة إلا قائل بأن كلام الإمام علي بن أبي طالب هو أشرف الكلام وأبلغه بعد كلام الله تعالى وكلام نبيه، وأغزره ماءً، وأرفعه أسلوبا، وأجمعه لجلائل المعاني». 
في بحور السياسة وضع الإمام علي قواعد واضحة أستهلها بالتقوى والنأي بنفسه عما يخصه من مصلحة، فكان سلام الله عليه شديدا في الحق على نفسه رفيقا في التعامل مع غيره، فالرفق لديه قاعدة للتعامل مع الناس عامة وفيها قال: «عليك بالرفق، فإنّه مفتاح الصواب وسجيّة أُولي الألباب» وقال أيضا «الرفق يسيّر الصعاب، ويسهّل شديد الأسباب»، لذلك أفاض علمه بالقول المأثور «رأس السياسة استعمال الرفق»، والرفق هنا ليس التساهل في الحق بل التسامح والعفو عند المقدرة من أجل الأخذ باليد من ضيق خطايا البصر إلى فسح أنوار البصيرة، هكذا كان المنهج في التعامل بين الناس واحترام حرياتهم أيضا، حيث قال في ذلك «من قام بشرائط العبوديّة اُهِّلَ للعتق، ومن قصّر عن أحكام الحرّية اُعيد إلى الرقّ» وهنا تزدهر أسمى معاني الحرية، حيث تكون حرا عندما تكون صالحا تقيا لترتقي بنفسك عن ملذات تقيد الذات، ولعمري انها لأرقى المعاني، حيث تجمع رحيق طيب الورع والتقوى والعدل المصفى المتمثل في أنصاف الناس واحترامهم والتمني لهم ما تتمناه لنفسك، ومن ذلك يصل بك ذلك الفكر الاشم بوجوب احترام آراء الناس وأفكارهم، حيث دلل على ذلك في أحد مآثره حينما قال «إيّاك وما يُسخط ربّك وما يُوحش الناس منك، فمن أسخط ربّه تعرّض للمنيّة، ومن أوحش الناس تبرّأ من الحرّية» كما أن كمال الحرية وتمامها هو عدم الرضا بالذل والهون، فالإنسان الحر كما يراه هو ذلك الأبي الذي يقول ما يشاء في حدود الإنصاف مع الذات ويحترم آراء الناس مهما كانت، إن الإمام علي سلام الله عليه يرفض أن يكون الإنسان مغصوبا من رأي أو مغتصبا لرأي، ويمكن استلال ذلك من روائع كلامه حيث قال: «كلُّ ما حملت عليه الحرَّ احتمله ورآه زيادة في شرفه، إلاّ ما حطّه جزءاً من حرّيته، فإنّه يأباه ولا يُجيب إليه». وهكذا في موسوعة علمه تجد القيم مبوبة تبدأ بحسن الدين ثم ترجيح العقل، ثم الحلم وبعده العلم إلى أن ينتهي بالدين مرة اخرى مرصعا احكامه في ايقونات روائع الشعر والنثر والسجع والجناس، يحاور من خلالها الناس، وينعت فيها الدنيا، ويذكر بها الخلق بفناء زخرفها، ويؤكد بشقشقاتها سرمدية مكارم الأخلاق. 
من عدم الإنصاف أن ينتهي الكلام عن مآثر ذلك الإمام الذي ترك فينا بحور ثروة متكاملة من القيم والمبادئ والعلوم العامة والخاصة، ولكن القلم ليجف يا أبا الحسن ولم يوفك حقك، والكلام هنا ليس ما قل ودل لأن دلائلك كثيرة ومهما بلغ كلامنا فيك يا امام المتقين فهو في حقك بخس زهيد. 
فسلام عليك سيدي يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيّا.