الفقر والقدر


إن الفقر والبؤس الذي يعيشه مئات الملايين من الناس في مختلف بقاع العالم ليس صدفة، أو قدرا مكتوبا على الإنسان، ما يجعله لا يملك أن يفعل حياله شيئا كما يعتقد الكثير من البشر. إنما الفقر هو حصيلة مواقف فردية وجماعية سلبية، وثقافات شعبية تجاوزها الزمن منذ زمن بعيد، ونظم تعليم وتربية متخلفة، وسياسات حكومية خاطئة او ظالمة تسعى للتحكم في الناس، ولا تعير أهمية لإقامة العدل في المجتمع؛ كما أن الفقر والبؤس يعكس فلسفات حياتية شمولية تقوم على التفرقة ضد بعض المواطنين وتحقيرهم. وهذا يجعل مسؤولية شيوع الفقر والحاجة والمرض والجهل وغيرها من آفات مجتمعية مسؤولية جماعية ذات أبعاد ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية، تبدأ بشيوع سياسات عامة وفلسفات حياتية خاطئة أو تجاوزها الزمن، وتنتهي بتبديل الدارج من المواقف السلبية، وتطوير السائد من العادات والتقاليد والقيم، ورفع مستوى المؤسسات التعليمية والقائمين عليها من مدرسين ومسؤولين، وتطوير مناهج التعليم وأساليب التربية والتدريس كي يكون في مقدورها معايشة العصر والتجاوب الفعال مع احتياجات مجتمع يسعى إلى النهوض وتحقيق التقدم. 
وخلافا لما يعتقد البعض من الناس، وما يُروِّجُ له بعض المتزمتين من أتباع الديانات المختلفة، مثل الإسلام والمسيحية، لا يوجد للبؤس الجماعي والهزائم الشعبية والفقر علاقة بالقدر أو بغضب إلهي. إن الله لا يغضب من فرد أو من جماعة لدرجة تدفعه إلى الانتقام من شعوب أو أمم بأكملها، بأطفالها وشيوخها، رجالها ونسائها، خاصة وأنه من المفروض أن يُحاسب الله كل إنسان عل ما فعل وما فشل أن يفعل في الآخرة... في يوم الحساب والعقاب والثواب. كما أن العقاب الجماعي بسبب انحرافات فردية أو جرائم فئوية يتنافى مع مفهوم العدل الإلهي وكون الله رحمن رحيم.
إن آفات البؤس والفقر والجهل والفشل والهزائم والتخلف بكافة أوجهه هي ظواهر لحالات مرضية جماعية تأتي نتيجة لسوء الإدارة، وفساد الحكم واستبداده، والتبذير، وعدم احترام الوقت والعمل، وغياب المسؤولية الفردية والجماعية، والايمان بالسحر والشعوذة والخرافات، وإتباع سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية قديمة تجاوزها الزمن. كما أن الآفات المجتمعية تأتي نتيجة لقيام الأثرياء والأقوياء باستغلال الفقراء والضعفاء، وارتكاب مخالفات قانونية وأخلاقية تتسبب في هدر المال العام والخاص، واتخاذ مواقف رسمية وشعبية تضطهد الفكر والمفكرين، وتحبس الحرية خلف قضبان حديدية وحواجز من الخوف والكبت والجهل. إن ثقافة اجتماعية وسياسية لا تعير أهمية للعلم والعلماء، وتستهين بعقول المفكرين، وتعمل بوعي ومن دون وعي على تهجير ما لدى الأمة من ثروات بشرية وعقول مبدعة ومواهب خلاقة هي ثقافة تعمل ضد الأمة التي تنتمي إليها، فيما تسهم بفاعلية في تكريس الفقر والبؤس، وتوطين الجهل والتخلف في الأرض وفي النفوس. 
إن الهروب من مواجهة الواقع، وتجنب الاعتراف بالمسؤولية الفردية والجماعية عن الفقر والبؤس والظلم والجهل والتخلف، وفقدان الثقة بالذات وبالدولة قاد العديد من الناس إلى القاء مسؤولية ذلك كله على القدر والغير، وكأن الله يفرق بين الناس والشعوب، وأنه أراد لشعوب أن تعيش حياتها في فقر وبؤس وجهل، بينما أراد لغيرها أن تعيش في بحبوحة ورخاء وسلم وأمن. ومن أجل تكريس هذا المنطق الذي يُنكر على الله عدالته ورحمته، ويتناقض مع العقل والمنطق والتاريخ، فإن الكثير من الفقهاء دأبوا على تزييف وعي المسلم واقناعه بالاستسلام للقضاء والقدر. وفي ضوء هذا المنطق السقيم، لم يجد المؤمن سبيلا أمامه سوى التوجه إلى الله بالدعاء كي ينقذه مما هو فيه من فقر وبؤس وظلم وضعف، وذلك كمن يتسول في الشوارع طلبا لصدقة أو مساعدة من المارة. وعلى الرغم من ايمان معظم المسلمين بأن الله يستحيب لدعاء المظلوم والفقير، إلا أن الاستجابة للدعاء لابد وأن تقترن برفض الظلم والجهل وليس الاستسلام له، وبالعمل المنتج، واحترام الوقت والعمل، والالتزام بمواقف وأخلاقيات حميدة وسلوكيات فاضلة تعترف بحقوق الغير من الناس وتحترمها، وتسهم بأمانة وفاعلية في إثراء حياة المجتمع ككل.
إن التغلب على حالات التخلف الجماعية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال اعتراف المجتمع وقياداته الفكرية والدينية والسياسية بالوضع المتخلف أولاً، واعتراف غالبية أعضاء المجتمع بالمسؤولية الجماعية عن التخلف ثانياً، وإعادة النظر في طرق التفكير وأساليب العمل المتبعة ثالثاً، واستبدال ما هو بحاجة لاستبدال من حكام ونظم وتقاليد وقيم، وتطوير طرق التفكير القديمة كي تستوعب علوم العصر ومنطق تاريخه رابعاً، وتشييد مؤسسات مجتمعية مؤهلة لقيادة المجتمع إلى اللحاق بالعصر وركوب موجة التطور التي تمر بها الحضارة الإنسانية خامساُ، والعمل سادساً وأخيراً على تطوير مناهج التعليم والتربية في البيت والمدرسة والجامعة والمسجد والشارع، وإعادة الاعتبار للعلم والعلماء والفكر والمفكرين والمدارس والجامعات والمدرسين؛ وتوظيف كل الثروات البشرية المتاحة في سبيل نهضة مجتمعية شاملة تسعى لتحقيق العدالة والحرية والسلم الاجتماعي. 
إن على أمة العرب، كي تتجاوز محنة التخلف والتخبط والضياع الحالية، أن تستوعب دروس التطور الحضاري منذ تطوير فن الطباعة في القرن الخامس عشر، ودراسة الدور الذي قام به الفكر والكتاب في توعية الشعوب الأوروبية ودفعها نحو الثورة على الكنيسة الكاثوليكية وفكرها الظلامي واستبداد حكام العصور الوسطى وضلالهم، والاطلاع على تجارب الشعوب غير الأوروبية التي لحقت بركب الحضارة الحديثة، خاصة اليابان والصين وكوريا الجنوبية. إن أمة تعاني ويلات الجهل والفقر والبؤس والظلم، وسوء إدارة الحكم واستبداد الحاكم، وانتشار الخرافات وأعمال السحر والشعوذه والايمان بالاولياء، وقيام رجال الدين بتزييف وعي المؤمنين باسم الدين ووجوب إطاعة أوامر حاكم ظالم لن تنهض من كبوتها إلا بالثورة على معطيات حياتها وثقافتها، على ان تكون الثورة سلمية يقودها العقل ويوجهها العلم، ولا تقبل مسلمات سوى ما تثبته التجربة الإنسانية ببراهين علمية. فاللحاق بركب الحضارة الإنسانية والتعايش مع الزمن يوجب الخروج من نفق الجهل، ورفض ظلامية الفكر الايديولوجي بفروعه الدينية والماركسية والقومية والرأسمالية، وتقويض نظم الحكم المستبدة والجاهلة، والحفاظ على العقول السليمة والمبدعة وتنميتها، والحيلولة دون هروبها من أوطانها بحثا عن النور في مكان آخر من العالم. ومع أن النور يوفر للعقول الهاربة ما ترنو إليه من أمن وحرية وعيش كريم، إلا أنه يحرم الوطن من العقل الذي يذكر عامة الناس بخطر الجهل وظلم الجهلة، ومأساة القبول بالفقر والذل باسم دين جاء لانقاذ الناس من الظلم وتحقيق المساواة والعدل بين الناس.