ذاكرة الذبابة والواقع السياسي


يقال إن الذبابة ذاكرتها تستمر لبضع ثوان فقط ثم ما تلبث أن تنسى لتعود مرة اخرى الى حركتها وموقعها الذي تركته، لذلك فإنها تلقى حتفها بسهولة. لا اعلم مدى صحة هذه المعلومة، ولكنها تستحق ان تكون مثالا يضرب ولا يقاس. والذاكرة لدى الانسان الطبيعي متفاوتة ولكنها في المتوسط العام تستمر لسنوات طويلة. وتعتمد قدرات التذكر لدى البشر على عوامل بيولوجية وأخرى ذاتية وبيئية. فلدى الانسان مكونات كامنة في خلقته تمكنه من التذكر والتفكر وتدبير الاشياء بناء على خبراته السابقة، لذلك يقول الله عز وجل «وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» ٢٢١ البقرة. ومن الطبيعي ان العنصر الثاني الذي يؤثر على الذاكرة هو مدى اهمية الحدث لدى هذا الانسان او ذاك، وكذلك جملة من العوامل البيئية التي تنشأ في الوسط الاجتماعي حيث ان هناك حوادث لها أهميتها في ذلك الوسط فيتم تذكرها اجتماعيا وتسمى الذاكرة المجتمعية.
لو أسقطنا مفادات ما سبق على الواقع السياسي في الكويت لوجدنا ان بعض القضايا يتم نسيانها بعد فترة وجيزة على الرغم من اهميتها، خاصة مما يطلق عليه بالذاكرة المجتمعية او الجماعية! وقد أضحت تلك المشكلة حلا لبعض المشاكل خاصة لدى بعض السياسيين الذين لا يودون المتابعة لهذه المواضيع المنسية لأسباب كثيرة منها المصلحة او عدم القدرة على المواجهة او حتى لانهم غير قادرين على المتابعة.
في السنوات الاخيرة توالت علينا الاحداث والقضايا وكأنها مبرمجة زمنيا حيث أتت واحدةً تلو اخرى وتتابع كأنها لحن ايقاع في سلم صعود وهبوط لنغمات مبعثرة! الداو، الرشوة، مدركات الفساد، التلوث، العلاج بالخارج، البديل الاستراتيجي، القبيضة، التحويلات، الجواخير والمزارع، القيود الأمنية، التزوير، العفو، الشهادات المضروبة، الغزو عراقي ام صدامي، قانون الجرائم الالكترونية، اسقاط القروض، ارتفاع الأسعار، التأمينات، التوظيف، فما نلبث ان نلتهي بواحدة حتى تولد ثانية، فننسى الاولى ونعبث بالثانية، وهكذا، تأتي الثالثة لتمحو ذاكرة الثانية، ويستمر المسلسل! وأمام تلك المشاكل اصبحنا غير قادرين على التجميع، وكل الخشية اننا لا نستفيد من تلك الأخطاء فنقع فريسة سهلة لتكرار الأخطاء. طبعا يراهن البعض من السياسيين، خاصة بعض النواب، على ان للمواطن ذاكرة ذبابية، فما يلبث ان ينشغل بحدث جديد الا وهو قد نسي ما قبله. لذلك اصبح فن طمطمة المشكلة، وليس حلها، بأفتعال غيرها هو فن الممكن الذي يتبناه البعض كتعريف للسياسة! 
كل ما اخشاه ان تتراكم الأخطاء دون حل لها او على الاقل دون ان نستفيد منها لكي لا تتكرر، حتى يقع الفأس بالرأس، حينها لا يكون لنا ذاكرة.
غيروهم كي تتغيروا.