إلى الصين.. رحلة في عكس اتجاه الحرير


أضع خطوة على الطائرة المغادرة في الشرق. وهدفي بلاد الألف مليون نسمة ويزيد، أفتتح رحلة إلى امبراطورية الممالك الثلاث.. وأطلب علماً في الصين، وترحلاً.. إلى أرض التنين والأسطورة.. وبلاد النهر الأصفر، وقلب آسيا الحقيقي.. هنا سأقيم ضيفاً حتى حين في حضرة دولة عظمى تكوّن أحد الأضلاع الخمسة في نظام الأمم.
يؤمن الصينيون بتعاليم كونفوشيوس والفلسفة الطاوية، وبرغم محق الشيوعية الحمراء للاعتقادات وكل ما يتعلق بالدين مع مجيء عهد ماوتسي تونغ والتي استمرت لعشرات السنين، إلا أن أغلب هذه الشعوب الصينية بقيت متمسكة بهذه العادات والعبادات التقليدية.. المستمرة عبر آلاف السنين سراً أو علناً رغم الاضطهاد، وهذه العبادات في الأساس مبنيّة على أساطير صينية قديمة وفلسفة الاتصال بالنجوم والشمس والقمر والسماء، ومن الطقوس الدينية المهمة عندهم هي حرق الأخشاب تعبداً للسماء، وتعود هذه العادة/العبادة المتجذرة لعهد الحاكم (شان) قبل ما يقرب الـ 4500 سنة، ويعتبر الصينيون أن أقدم وأعظم الآلهة كان إله السماء (تاين) الذي يعتقدون بأنه أعظم وأذكى وأرهب من أي ملك أرضي، لكنه تجرد فيما بعد من شخصيته وصار يُرمز له بالطاقة المسيرة للكون. لذا لا غرابة بأن يبنى هنا معبد سماوي في جنوب شرق العاصمة بكين.. والذي زرته ظهيرة هبوطي هذه الأرض ذات النفوس المرتبطة منذ القدم بالسماء.. بني المعبد ذو الشكل المستدير في بدايات القرن الخامس عشر.. بأمر من أباطرة عائلة مينغ حيث كانوا يقدمون فيه قرابين للسماء والأرض.. وقد أدرجته اليونسكو ضمن قائمة الموروثات الإنسانية عام 1998. ويقع المعبد وسط حدائق واسعة وفسيحة ومزروعة بأنواع الأشجار.. كالصنوبر والسرو والأرز والكرز والصفصاف.. ما يعتبر رئةً خضراء تتنفس منها العاصمة المكتظة بأعلى نسبة تلوث في القارة الآسيوية.. وقد أوضح لي أحدهم بأن الصينيين وجدوا لكل مشكلة حل.. حتى تلوث السماء، فقد استحدثوا طريقة تكنولوجية في حقن السحب بالأمطار لتتساقط وتمسح عن الأرض بعضاً من الأذى البشري، أما عندما يتكاثف (الضبخان) فإن الحقن يأتي بصورة تفتيت هذا الغطاء الملوث لتستصح السماء.. وتظهر بكل عافيتها.