أصحاب الكرم في العصر الجاهلي


عرف بعض أصحاب الكرم في العصر الجاهلي، منهم حاتم الطائي ولكننا نتحدث في هذه المقالة عن الكريم عبدالله بن جُدْعَانَ الذي عرف أنه مِن الكُرَماء المشهورين في العصر الجاهلي وعبدالله بن جُدْعَان، اشتهر بكرمه وجوده، وسخائه وعطائه. وكان عبدالله بن جُدْعَانَ مِن مُطْعِمي قريش، كهاشم بن عبد مناف، وهو أوَّل مَن عمل الفالوذ للضَّيف، وقال فيه أميَّة بن أبي الصَّلت: له داع بمكَّة مُشْمَعِلٌّ *** وآخر فوق دارته ينادي إلى درج من الشِّيزَى ملاء *** لُبابَ البُرِّ يُلْبَكُ بالشِّهادِ.
كانت لعبدالله بن جدعان جِفَان يأكل منها القائم والرَّاكب. وحدَّث إبراهيم بن أحمد قال: قَدِمَ أميَّة بن أبي الصَّلت مكَّة، على عبدالله بن جُدْعَان، فلمَّا دخل عليه قال له عبدالله: أمرٌ ما، جاء بك. فقال أميَّة: كلاب غرمائي قد نبحتني ونهشتني. فقال له عبدالله: قدمت عليَّ وأنا عليل مِن ديون لزمتني، فأنظرني قليلًا يجمُّ ما في يدي، وقد ضمنت قضاء دينك ولا أسأل عن مبلغه، فأقام أميَّة أيامًا وأتاه فقال: أأذكر حاجتي أم قد كفاني *** حياؤك إنَّ شيمتك الحَيَاء؟ وعلمك بالأمور وأنت قَـــرْم *** لك الحسب المهذَّب والثَّناء كريم لا يغيِّره صباح *** عن الخُلُق الجميل ولا مساء تباري الرِّيح مكرمة وجودًا *** إذا ما الكلب أجحره الشِّتاء إذا أثنى عليك المرء يومًا *** كفاه من تعرُّضه الثَّناء إذا خلفت عبدالله فاعلم *** بأنَّ القوم ليس لهم جزاء فأرضك كلُّ مكرمة بناها *** بنو تميم وأنت لها سماء فأبرز فضله حقًّا عليهم *** كما برزت لناظرها السَّماء وهل تخفى السَّماء على بصير *** وهل للشَّمس طالعة خفاء فلمَّا أنشده أميَّة هذه الأبيات كانت عنده قينتان، فقال لأميَّة: خذ أيتهما شئت، فأخذ إحداهما وانصرف. فمرَّ بمجلس مِن مجالس قريش، فلاموه على أخذها، وقالوا: لقد أجحفت به في انتزاعها منه، فلو رددتها عليه، فإنَّ الشَّيخ يحتاج إلى خدمتهما، لكان ذلك أقرب لك عنده وأَكْرَم مِن كلِّ حقٍّ ضمنته لك. فوقع الكلام مِن أميَّة موقعًا وندم، فرجع إليه ليردَّها عليه، فلمَّا أتاه بها قال له ابن جُدْعَان: لعلَّك إنَّما رددتها لأنَّ قريشًا لاموك على أخذها، وقالوا لك كذا وكذا، ووصف لأميَّة ما قال له القوم، فقال أميَّة: والله ما أخطأت يا أبا زهير ممَّا قالوا شيئًا. قال عبدالله: فما الذي قلت في ذلك؟ فقال أميَّة:عطاؤك زَيْنٌ لامرئ إن حبوته *** ببذل وما كلُّ العطاء يزينوليس بشين لامرئٍ بذل وجهه *** إليك كما بعض السُّؤال يشين فقال له عبد الله: خذ الأخرى، فأخذهما جميعًا وخرج، فلمَّا صار إلى القوم بهما أنشأ يقول: ذكر ابن جُدْعَان بخيـ *** ـرٍ كلَّما ذُكِر الكِرَام مَن لا يجور ولا يعقُّ *** ولا يُبخلُه اللِّئام يهب النَّجيبة والنَّجيب *** له الرِّجال والزمام وكان عبدالله بن جُدْعَان التيميُّ حين كَبر أخذ بنو تيم عليه، ومنعوه أن يعطي شيئًا مِن ماله، فكان الرَّجل إذا أتاه يطلب منه قال: ادن منِّي، فإذا دنا منه لطمه، ثمَّ قال: اذهب فاطلب بلطمتك أو ترضى، فترضيه بنو تيم مِن ماله. وفيه يقول ابن قيس: والذي إن أشار نحوك لطمًا *** تبع اللَّطم نائل وعطاء وابن جُدْعَان هو القائل: إنِّي وإن لم ينل مالي مدى خُلُقِي *** وهاب ما ملكت كفِّي مِن المال لا أحبس المال إلَّا ريث أتلفه *** ولا تغيِّرني حال عن الحال.