دور العقل في الحياة


العقل عضلة لا تختلف كثيرا عن غيرها من عضلات الجسم، ما يجعله، كغيره من عضلات، بحاجة إلى تدريب وحماية ما قد يتسبب في تعطيله عن القيام بالدورالمنوط به، وتلويثه بمعتقدات وعادات قد تُبعده عن التفكير السليم، ومن أمثلة ذلك التعود على التهاون مع السلوكيات السيئة، والتمسك بتقاليد تجاوزها الزمن، والنظر إلى المواقف المنحرفة وأقوال الجهلة بوصفها أمورا لا تثير الدهشة، والايمان بالخرافات والأساطير بوصفها حقائق لا يطالها الشك. اما الجهات التي تسهم في تلويث العقل وتتسبب أحيانا في تعطيله عن العمل أو انحرافه عن القيام بدوره في حياة الفرد والمجتمع، فتشمل التربية في البيت، والدراسة في المدرسة والجامعة، والتعامل مع الآخرين من الناس، والجلوس طويلا أمام الراديو والتلفزيون منصتا لما تعرضه وسائل الإعلام من برامج إخبارية، ومسلسلات تاريخية وترفيهية، وإعلانات تروج لمنتوجات استهلاكية، وذلك إضافة إلى الرسائل التي تصل إليه وتتناقض مع طبيعة الأشياء.
من ناحية ثانية، علينا أن نفرق بين التفكير وحب الاستطلاع، فالتفكير من مهام العقل، وحب الاستطلاع غريزة تولد مع الإنسان وتدفع العقل إلى محاولة التعرف على الإشياء التي تحيط بحياته وتحديد هويتها وخصائصها المميزة، الأمر الذي يمكنه من الحكم على ما ترى العين من أشياء وما تسمع الأذن من أقوال، أما القلب، فإن غريزة حب الاستطلاع تدفعه إلى اكتشاف المشاعر الإنسانية والحيوانية، واستحسان بعضها ورفض البعض الآخر، وذلك بناء على ما تعكسه تلك المشاعر من معاني، وما توحي به من مواقف وقناعات وتخيلات. 
ماذا يعني تعبير منطق الأشياء؟ منطق الأشياء يعني أن كل شيء في الحياة، بما في ذلك الأشياء المادية غير الحية، يتميز بقدرة على القيام بأفعال كثيرة، أو بقدرة على القيام بأفعال دون غيرها، أو بعدم القدرة على القيام بأي فعل كان، فمثلا الإنسان والحيوان والنبات قادر على التكاثر، لأن خاصية التكاثر من طبيعة الإنسان والحيوان والنبات، في المقابل ليس بإمكان جبل أو نهر أن يتكاثر لأن التكاثر ليس من طبيعة الجبال أو الأنهار. لكن الكثير من الأساطير القديمة تتحدث عن صخور تهتز وحيوانات تتكلم وتعي ما يدور حولها، وتتنبأ أحيانا بما سيقع في المستقبل من أحداث. ولما كانت الأقوال والأفعال ليست من طبيعة الصخور أو الحيوانات أو النباتات، فمعنى ذلك أنها ليست حقائق، بل إدعاءات ترقى إلى مرتبة التزييف المتعمد والكذب. 
بناء على ما سبق يمكن القول أنه ليس بإمكان إنسان أن يعيش حياة منتجة وسوية من دون عقل يفكر ويعي طبيعة الأشياء التي تحيط به، ومن دون قلب بإمكانه أن يحكم على مشاعر الآخرين ويتفاعل معها ايجابا أو سلبا كما تستوجب طبيعة تلك المشاعر. وتأتي هنا أهمية تدريب العقل على التعرف على طبيعة الأشياء، والحكم على المواقف والسلوكيات المختلفة للإنسان والحيوان والنبات، وتحديد ما إذا كانت بعض التقاليد والرسائل المُوحى بها مفيدة تستوجب التعود عليها، أو أنها مضرة تستوجب الرفض والابتعاد عنها، وتعريتها على حقيقتها حتى يتعظ الإنسان بها.
ويتم تدريب العقل في البيت والمدرسة والشارع والجامعة والمسجد، والتعرض لرسالة الإعلام بغض النظر عن طبيعتها. فمثلا حين يبكي الطفل في البيت وتسارع الأم لترضيته، مع علمها بأنه لا يشكو من مرض، فإن الطفل يتعود على الشكوى والتذمر وانتظار أن يستجيب الآخرون لشكاواه، وهذا من شأنه أن يضعف ثقة الطفل بنسفه ويتسبب في نموه اتكالياً غير أهل لتحمل المسؤولية، وحين يقوم نظام التعليم على الحفظ والتلقين بدلاً من النقد والتحليل، فإن العقل لا يتعود على التفكير فيما يعرض عليه من أفكار ومقولات تدعي الصحة وأحيانا القدسية؛ الأمر الذي يدفعه إلى تصديق ادعاءات لا تمت للحقيقة بصلة، لأنه لم يتعود على تدقيق ما يعرض عليه من أمور قبل أن يؤمن بها، ومن تبعات عمليات الحفظ والتلقين أنها تدفع طلاب المدارس من الإناث والذكور إلى الايمان بأشياء كثيرة بعضها حقائق مفيدة وكثيرها إدعاءات هدفها تزييف ضمائرهم وتحويلهم إلى تابعين لا يفكرون، وحين يَفرِضُ المجتمعُ على الشاب أن يحترم رأي الكبير في السن حتى وإن كان الرأي يخالف العلم والواقع، فإن المجتمع يُدخل الشك إلى قلب الشاب ويدفعه إلى التنازل عن حقه في تصحيح الأخطاء، واتباع الآخر ين من الجهلة حتى يكون محبوبا، وينجو بنفسه من العقاب.
إضافة إلى ذلك، تشيع في المجتمعات العربية عامة تربية الأطفال بالتخويف من بعض الكائنات الحقيقية مثل الفأر، وبعض الكائنات الخرافية مثل الغولة، إلى جانب التخويف من العقاب في الحياة الدنيا والآخرة، والتخويف أحيانا من الأب والظلام، وهذه جميعها تربك عقل الطفل وتؤثر على سلوكياته سلبا، وتجعل بإمكانه أن يستخدمها أحيانا ذريعة كي لا يقوم بما يحب عليه القيام به من أفعال. وحين يتربى الطفل على الخوف من الغولة والظلام والشيطان والأب والله، فإن الخوف يرافقه رحلة العمر، الأمر الذي يجعله يخاف البوليس والدولة ورجالها، وبالتالي يرى أن أفضل وسيلة للعيش بسلام تكمن في قبول الأمر الواقع والخنوع لكل آمر، وعدم الاهتمام بالتعرف على حقوقه؛ إذ يرى أن عليه واجبات كثيرة وليس له حقوق تذكر. وهذا من شأنه أن يضعف ثقة الطفل بنفسه حين يكبر، ما يجعله يرى نفسه صغيرا مهما بلغ من العمر وحصل من العلم، وأحيانا يشعر بالنقص خاصة تجاه الأجنبي. كما أن من الصعب على مثل هذا الإنسان أن ينظم وقته ويحترم العمل ويتبنى مواقف ايجابية من الحياة أو الآخر.