طوكيو.. مدينة الزحام وهاتشيكو


من نبع النور يبدأ يومي، هذه طوكيو مركز أكبر جزر اليابان هونشو وعاصمة النيبون، والمدينة المزدحمة الهانئة، مع خروجي من الفندق الذي يأخذ طابعاً تقليدياً، بغرفه الضيقة ذات المساحة المحدودة كعادة بيوت اليابانيين، وبصالة استقباله (اللوبي) المطعّمة بأشجار الكرز وأبجورات الورق الطائرة، انطلق في نسمات آذار المحيطية الباردة، ليبدو لي الشارع وقد ملئت عروقه بالنبض وبالحياة، الكل يغذ خطواته إلى العمل بجد ملحوظ، لا وقت للبطء، والسير منتظم رغم كثرة البشر، أختار طاولة في مقهى شعبي للفطور، استخدم أعواد الأكل الخشبية التي لابد منها، فبعض المطاعم غالباً لا تقدم الشوكة والملعقة حفاظاً ربما على تقاليد وآداب المائدة اليابانية، والشعب الياباني كما رأيته يتسم بالخلق والتواضع الشديد، وجدت ذلك بتعاملي معهم فالابتسامة من أساسيات التحدث مع الغير في ثقافتهم، والشكر بانحناءة يتكرر في كل موقف حتى وإن كان ما تقدمه للمستحق بسيطاً، ربما كان ذلك عائداً لمعتقدات ديانة الشنتو التي يؤمن بها غالبية اليابانيين، وهي ديانة متسامحة لأبعد الحدود لكنها تقدس العمل والالتزام والتضحية، في»الاندرقراوند» تبدو لي كل مقاطع الڤيديو التي رأيتها عن زحمة القطارات في طوكيو حقيقة ماثلة، بحيث يُحشر الناس بطريقة (تخزينية) كي يتسع المكان أكثر وأكثر، لكن برغم هذا لا تجد ضجيجاً ولا تذمراً، فالكل له مقصد والكل متعايش مع هذا الازدحام الخانق، عند محطة شيبويا يتركني القطار، فاتجه لأعلى الأرض، ناوياً هذا التقاطع الشهير الذي تصوّره عدسات الفضائيات كل وقت، وتتحرك فيه الأمواج البشرية بطريقة إعجازية عندما تضيء إنارة العبور، ويتوقف كل هذا العرِم بانطفائها فجأة. وأنا في هذا السيل الكبير، أعيش تجربة فريدة. في هذه المحطة التي تعتبر أقدم محطات القطارات في اليابان، حدثت فصول حكاية الكلب هاتشيكو الذي وضع في عقل الإنسان تعريفاً لبني جلدته، فراح يوصف كل كلب بعده بالوفاء، والحكاية طويلة مختصرها بأن هاتشيكو كان يذهب لمقابلة صاحبه البروفسور في الجامعة عند عودته من العمل أمام باب المحطة بشكل متكرر حتى مايو 1925 عندما لم يعد البروفسور إلى المحطة في أحد الأيام بسبب نزيف دماغي تعرض له في الجامعة أدى إلى وفاته، إلا أن هاتشيكو لم يقلع عن عادته في انتظار سيده أمام باب المحطة يوماً بعد يوم في انتظار عودته، واستمر على هذا الحال 10 سنوات متتالية حتى لفت انتباه الكثير من الماره في المحطة وانتشرت قصته، مات هاتشيكو في عام 1935، وسوّي له تمثال من البرونز في ذات المكان الذي كان ينتظر فيه وهو المكان الذي لفظ فيه أنفاسه الأخيرة أيضاً.