وقفة مع شخصية السليك وأمثاله العرب


السليك إبن السلكة شاعر صعلوك عربي، لا تزال شخصيته محل تقليد نراها تنتشر يتقمصها البعض من هنا وهناك في كتابة الشعر النقدي أو من أجل المصالح الخاصة لربما أو بسبب الرغبة في التهجم من أجل الأخرين، ولنقف عند شخصية السليك، فقد لقب السُّليك بالرِّئبال ـ وهو الأسد الهصور، أو الذِّئب الجريء ـ لأنه اتصف بالجرأة والفتك، كما لُقّب بسُليك المَقَانب، لأنه كان يطمح إلى أن يصبح ذا خيل كثيرة، إذ كان يغزو على رجليه، وغالباً ما يسبق الخيل وكان السليك بطلا وشاعرا يهابه خصومه، حتى لقب بأنه شيطان من شياطين الجاهلية، وكان خبيراً بالطرق والمسالك وحرائط الصحراء الذهنية وذكيا مرواغا وكان من أدلّ الناس بالأرض وأعرفهم بمسالكها، وتعددت الأخبار حول هذا كما تعددت في وصف سرعته وضرب به المثل فيها، فقيل: أَعْدى من السُّليك.
وهو يرى أن صعلكته حققت له مراده، فقد قال:
ومـا نـلتها حتى تصعلكت حـِقْبةً... وكـدت لأسباب المنيَّة أَعرفُ
وحتى رأيت الجوع بالصيف ضَرَّني... إذا قمت تغشاني ظِلال فأُسدِف
وقد عبَّر شعره عن صفاته ومبادئه وحياته أحسن تعبير، إذ كان يرى أن جمال الفارس ليس بلونه ولا بجسمه، وإنما بفروسيته وشجاعته، والإلقاء بنفسه في المتالف.
وشعره، كما وصل، أكثره مُقَطَّعات، وأطول شعره نص واحدة تشير إلى غارة له في نفر من أصحابه بني سعد، ورجل من بني حرام يقال له صُرَد، على بلاد خَثْعم بلغت أربعة عشر بيتاً، وشعره وجداني يرتبط أغلبه بحوادث واقعية، طرق موضوعها من دون مقدمات فنية، ما عدا بيتاً واحداً في ديوانه يذكر فيه طيف امرأة سميت نُشيبة، وقيل: أمية، ولعل هذا البيت مطلع قصيد ضاعت أبياتها، وهو:
ألمَّ خيال من نُشيبة بالرَّكْب... وهُنَّ عِجالٌ، عن نيال وعن نَقْبِ
يعد شعره وثيقة تاريخية لغاراته ومواضعها والفرسان الذين لقيهم، وقد انصهر ذكر ذلك كله في فخره الذاتي، فأكثر شعره في الفخر الفردي، والحماسة، وليس فيه فخر جماعي أو قبلي. وله في الغزل بيت مفرد يصف فيه ثغر المحبوبة يدل على رهافة حسه.
ولعل السليك قد تفرَّد في الشعر الجاهلي بمدح المرأة، وكان قد أغار على بني عُوارة فتمكنوا منه، فاستجار بامرأة تسمّى (فُكيْهة) فأجارته وحمته، فمدحها وأوّل مدحه:
لَعْمــرُ أبيكَ والأنباءُ تنــمي... لنِعم الجـار أختُ بنـي عُوَارا
مــن الخَفِرات لـم تفضح أخاها... ولـم تـرفع لإخـوتها شَـنارا
وكذلك عُدَّ أحد من هجا المرأة الدميمة التي تسعى وراء الشهوات، وله هجاء في خَثْعم، أما في الرثاء فقد عُدَّ أول من رثى الحيوان في الشعر القديم عند كثير من الدارسين.
وشعر السليك يرسم صورة دقيقة للصعلوك النابه، الشديد الثبات، ويرسم حالته النفسية وتهالكها على اقتناص اللذات والمتع حتى أدت إلى مقتله، فقد لقي رجلاً من خثعم فأخذه ومعه امرأته (النَّوار) ففدى الرجل نفسه بامرأته وتركها رهينة عند السليك، وحاولت أن تخيفه بقومها فهزئ منهم وبلغهم ذلك فذهبوا إليه وقتلوه نحو سنة (17 ق.هـ/606م) قتلهُ أسد بن مدرك الخثعمي.
السليك صعلوكا وشاعرا في الجهار، ولم يكن منافقا.