معطيات العلم والتعلّم


العلم كلمةُ السرِّ في نهضة الشعوب، فكلّما زاد اهتمامُ المجتمعِ بالتعليم وبمستواه، زادت درجة نموِّه ونهضتِه وتقدُّمه؛ فالعلم ليس فقط عمليةً يقومُ بها المجتمع أو المؤسّسة التعليمية كأي مؤسّسة داخل المجتمع؛ ولكنّها المؤسّسة الأهم، فمنذ أن جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قام بالدعوة إلى طلب العلم؛ فالعلم في الإسلام بمفهومِه الشامل يشملُ تعلُّم ودراسة كلّ جوانب الحياة، وليس مختصا بعلم دون آخر. فالأُمّة تكون رائدة لاهتمامها بالعلم، فبالعلم والثقافة، يتحقّق الدور الذي يمكن أن يقوم به ذلك العنصر المهم في بناء المجتمعات ونهضتها وزعامتها، إنّ العلم هو من أهم أسباب نهضةِ الشعوب وتقدُّمها.
كما أنّ العلاقة بين درجةِ التعليم وبين الثقافة والفكر علاقة طردية؛ فالفرد كلّما زادت درجة تفكيره زادت درجةُ تعليمه ودرجة وعيه الفكري والثقافي والسياسي، والتعليم له دور كبير جدّاً في نشر الثقافة التي تملأُ العقولَ التي تتمكَّن من قيادة الأُمّة نحو الرِّفعة والسمو، وطريق النهضة العلمية والزعامة يبدأُ من التعليم أوّلاً، فيجب علينا أن نُعِيدَ النظر في منظومتِنا التعليمية، وأن نُغيِّر نظرةَ الشباب لبلادِهم ولدُوَلِهم من خلالِ بعض الإصلاحات السياسية والاجتماعية، وبعد ذلك نبدأ بتغييرِ رؤية الآخر أو الخارج لنا، كما أنّ التقارب بين الشعوب يبدأ من تطوُّر مستوى التعليم ومستوى الثقافة، ونمو فكرة تقبُّل الآخر، والاستفادة من التجارب وعدم الإقصاء، أو عدم السعي طوال الوقت لهدم ما يُنجِزُه الآخرون، فتوفير المناخ المناسب للعمل والإبداع، هو القاعدة الأساس ليصبح الشباب أكثر وعيا وثقافة وحبّا للاستمرار في التعليم.
للعلم قيمةٌ كبيرةٌ في الأديان بشكل عامٍّ، وفي الدِّين الإسلامي بشكل خاص، حيث خلق الله - سبحانه وتعالى - الخلق، وأمرهم بالسعي والتعلُّم؛ لأنّ العلم في الإسلام مفهومه واسع، فالإنسان لا يجب أن يكون بمعزلٍ عن العلوم الكونية والدنيوية، بالعكس، بل إنّ الإسلام دعا إلى كافة العلوم، لأنّه دينٌ عامٌّ وشامل يشمل كلّ مناحي الحياة، فقد أمر الله - تعالى - الإنسان بتعمير الأرض، والتعمير لن يأتي إلّا بتعلّم العلوم الكونية والإنسانية حتى يستطيعَ الإنسان الحفاظَ على حياته وعلى مستوى رفاهيته، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنتم أعلم بشؤون دُنياكم»، وفي هذا دلالة على ضرورةِ اكتشاف كلّ ما هو جديد، وكلّ ما هو مباح في الحياة من العلوم.
وقد حثَّ الله - تعالى - على العلم والتعلُّم في القرآن الكريم في أكثر من موضع، فكانت أوّل كلمة في القرآن الكريم هي كلمة (اقْرَأْ في قوله سبحانه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (العلق/ 1-5)، بالإضافة إلى قوله تعالى: يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (المجادلة/ 11). وسبحانه أكّد على ضرورة التدبُّر والتفقُّه في الدِّين وفي العلوم الإنسانية في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وقد حثَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً على ضرورة طلب العلم؛ حيث قال: «إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلّا من ثلاث؛ صدقةٍ جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وقال سيِّد الخلق (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث آخر: «مَن سلك طريقاً يلتمسُ فيه علماً سهَّل الله له طريقاً به إلى الجنّة». وتقديراً لمكانة وأهمّية العلم، فقد جعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الأسرى الذين قد تم أسرُهم في أيدي المسلمين في غزوة بدر يفتَدُون أنفُسهم بأن يُعلِّم كلُّ شخصٍ منهم عشرةً من المسلمين القراءة والكتابة.. فلا شكّ أنّ دور العلم هام، في نهضة الأُمم وتقدّمها وما طرأ من خير في الدُّنيا إلّا نتيجة العلم وجهد العلماء الحثيث في صلاح البشرية جمعاء.