جهود حفظ مخطوطات علماء الحضارة الإسلامية في أوزبكستان


مع ازدياد الاهتمام بدراسة التراث المكتوب للحضارة الإسلامية، أعد معهد أبو ريحان البيروني بطشقند للإصدار جملة من الكاتالوجات شملت بعض الاتجاهات التي تحتويها مجموعة مخطوطات الحضارة الإسلامية في: العلوم التاريخية، والعلوم الطبيعية والدقيقة، والطب، والتصوف، وكتالوجات المنمنمات، والوثائق، وغيرها. وازدادت صلات العلماء الأجانب من: ألمانيا، وإيران، واليابان، والولايات المتحدة الأميركية، وعمان، والإمارات العربية المتحدة، وغيرها من الدول بدراسة ونشر المخطوطات التي يحتفظ بها المعهد.
وتشمل المخطوطات المحفوظة في المعهد مرحلة تضم أكثر من ألف سنة من تطور ثقافة الشعوب الإسلامية، تمتد من القرن التاسع وحتى بداية القرن العشرين. وفي الوقت الراهن أضيف مخزون مخطوطات المعهد لقائمة اليونسكو كأغنى مخزون للمخطوطات في العالم.
في عام 2007 احتفلت أوزبكستان بمناسبة مهمة في تاريخها المعاصر، وهي مناسبة إعلان المنظمة الإسلامية العالمية للتعليم والعلوم والثقافة (ISESCO) طشقند عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2007، وتخللت الاحتفالات معارض شملت كنوز مخطوطات الحضارة الإسلامية المهمة التي تملتكها أوزبكستان ومن بينها النسخة الوحيدة والأصلية للمصحف الكريم الذي خط في عهد الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) والمحفوظة في مكتبة الإدارة الدينية لمسلمي أوزبكستان. وكان النصيب الأكبر في تلك النشاطات لأكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان، حيث شاركت بتلك المعارض المؤسسات العلمية التابعة للأكاديمية والتي تعتبر من أغنى وأشهر المؤسسات العلمية التي تحتفظ بنفائس التراث العلمي والأدبي والتاريخي للحضارة الإسلامية المكتوب بلغات الشعوب الإسلامية وخاصة اللغة العربية في عالم اليوم.
وكان من أكبر تلك المؤسسات معهد أبو ريحان البيروني للدراسات الشرقية الذي تأسس عام 1943 كمؤسسة متخصصة، بدلاً عن قسم المخطوطات الشرقية الذي أحدثته سلطات الاحتلال في المكتبة العامة بطشقند عاصمة تركستان الروسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان لذلك القسم الفضل الأكبر بجمع وحفظ ودراسة المخطوطات النفيسة التي كانت تعج بها المكتبات الخاصة ومكتبات المدارس الإسلامية (مصطلح مدرسة كان يستخدم في ما وراء النهر بمعنى مؤسسة للتعليم العالي، بينما يطلق على المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية في المنطقة وحتى اليوم اسم «كتّاب») المنتشرة في مدن وقرى ما وراء النهر (آسيا المركزية اليوم وتضم: أوزبكستان، وقازاقستان، وتركمانستان، وقرغيزستان، وطاجكستان) قبل احتلال الدول التي كانت قائمة آنذاك. وعرف المعهد في بداية تأسيسه باسم «معهد دراسات المخطوطات الشرقية»، وسرعان ما تبدل هذا الاسم إلى «معهد المخطوطات» عام 1950، إلى أن استقر أخيراً على اسمه الحالي وهو «معهد أبو ريحان البيروني للدراسات الشرقية» عام 1957.
واستطاع المعهد منذ تأسيسه وحتى اليوم، أن يكوّن مدرسة علمية حقيقة وجادة تهتم بدراسة التراث الأدبي والعلمي والتاريخي المخطوط لشعوب آسيا الوسطى، والشعوب الإسلامية بصورة عامة، والمحافظة على التراث الضخم الذي تم جمعه من التلف والضياع، وتمكن المعهد من دراسته وإصدار ونشر دراسات عن المخطوطات المحققة، وإعداد قوائم بيبليوغرافية للمخطوطات التي يحتفظ بها حتى اليوم، وتصويرها على شرائح شفافة، ومن ثم اسطوانات رقمية لتسهل عملية نقلها واسترجاعها ودراستها بفضل الرعاية التي حرص عليها العاملون في المعهد من أبناء المنطقة انطلاقاً من إدراكهم للهدف العلمي الجليل الذي اؤتمنوا عليه، وكأنهم كانوا على موعد مع القدر لتستخدم تلك الآثار الأدبية والعلمية والتاريخية النفيسة المحفوظة في المعهد لإعادة كتابة تاريخ الشعب الأوزبكي، وشعوب المنطقة اليوم بعد استقلال جمهورياتها الخمس (أوزبكستان، قازاقستان، تركمانستان، قرغيزستان، طاجكستان)، والإسهام في تسليط الضوء على حقائق تاريخ شعوب وسط آسيا عبر القرون، وإحياء تاريخ الدولة الإسلامية التي كانت في أوج ازدهارها يوماً ما، واستخلاص العبر من دروس وأسباب انهيار تلك الدولة، في دراسات مبنية على أسس علمية متينة وواضحة ما كانت لتتم لولا ذلك الكنز التراثي الضخم الذي يحتفظ به معهد أبو ريحان البيروني إلى اليوم.
وبالفعل قام أتباع تلك المدرسة العلمية المتميزة عن مدارس الاستشراق الأخرى في العالم، من حيث الأهداف والمرامي، بأبحاث علمية شملت مختلف الاتجاهات العلمية، من التاريخ، إلى الأدب، إلى تاريخ العلوم، والثقافة، والمجتمع. مستمدة من تلك المخطوطات التي خلفها وراءهم علماء وجهابذة القرون الوسطى في ما وراء النهر وأنحاء أخرى من العالم الإسلامي. وقام المعهد بإصدار نشرات، وفهارس تحدثت بشيء من الشرح والتفصيل عن تلك المخطوطات التراثية التي تعتبر من المصادر العلمية النادرة، وهو ما تعترف به المراكز العلمية الأخرى في العالم، والأوساط العلمية المهتمة بدراسة تاريخ التراث المكتوب للشعوب الإسلامية في كل مكان، ونتيجة للجهود العلمية المخلصة واعترافاً من الأوساط العلمية بتلك الجهود الكبيرة، حصل المعهد في مطلع ثمانينات القرن العشرين، على جائزة أبو علي حسين بن سينا الدولية، التي خصصتها حكومة الإتحاد السوفييتي السابق.
وتذكر المصادر التاريخية الحديثة أن أول إشارة لمجموعات التراث العلمي والأدبي المخطوط المحفوظة في أوزبكستان اليوم، ترجع لسبعينات القرن التاسع عشر، التي صادفت تأسيس أول مكتبة عامة في طشقند بعد احتلال أجزاء شاسعة من تركستان، وضمت المكتبة بين أقسامها المختلفة قسماً خاصاً «للمخطوطات الشرقية» كما سبق وأشرنا، والمقصود «بالمخطوطات الشرقية» هنا عند المستشرقين الروس الدول الواقعة شرق أوروبا، أي العالم الإسلامي، والقارتين الآسيوية والإفريقية، فجاءت تسمية «الاستشراق» رغم وقوع أوزبكستان في دائرته، لأن الاستشراق كان واحداً من أدوات الاستعمار ووسائله الناجعة وأسلحته للتوسع الدائم والسيطرة على مصائر شعوب العالم.