الإمبريالية الثقافية والإمبريالية الدينية


كتب حول الإمبريالية الثقافية جون توملينسون وادوارد سعيد وناعوم شومسكي وميشيل فوكو وانطونيو جرامشي وفلاديمير لينين، وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين، الا ان القليل بل النادر ممكن كتب بعمق عن الإمبريالية الدينية. جورج قرم هو احد القلائل بل النوادر ممن تناول الإمبريالية الدينية، وذلك في كتابه تعدد الأديان وانظمة الحكم والذي هو عبارة عن رسالة دكتوراه، وقد تم نشرها قبل سنوات قليلة. وعلى الرغم من ذلك، اتى جورج قرم على هذا المفهوم بشكل عام وفي سياق تاريخي الإمبراطوريات التي سادت وبادت حيث كانت تحكم باسم الدين.
الامبريالية هو مفهوم متعلق بالاقتصاد السياسي اقتصادي ودخل الى الادبيات ذات الصِّلة قبل حوالي 100عام ويشير بشكل عام على التحول من شكل الدولة الاستعمارية التي تقوم بالاحتلال المباشر الى الدولة التي تهيمن بشكل غير مباشر عبر توظيف الأدوات الاقتصادية الرأسمالية، لذلك فقد صاحب الخطاب والفكر الاشتراكي في صراعه مع الرأسمالية على المستوى الاممي مفاهيم كثيرة أهمها مفهوم الامبريالية. 
الامبريالية الدينية، تحمل مدلولا أوسع من الاقتصاد حيث توظف العلاقات والطقوس والمتبنيات الدينية في سبيل الهيمنة بمعناها الواسع بمضامينها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية بل وحتى السلوكية على حد كبير، الامبريالية الدينية هي امتداد من داخل «محور الارتكاز الديني» الى الأطراف الخارجية (دول وجماعات وأفراد) من اجل جعلها في حيّز الاستقطاب والتبعية كي تقع تحت هيمنة التفسيرات الأيديولوجية الاحادية للمفاهيم الدينية التي تتبناها». 
وفي معرض أطروحاته الفكرية، طور انطونيو جرامشي مفهوم الهيمنة الثقافية حينما بحث عن مبرر حول عدم وقوع الثورات العمالية في الدول الرأسمالية مثلما توقع كارل ماركس، ومفاد ما انتهي اليه هو ان هذه الدول قد طورت اطار ثقافي حول ايديولوجية المؤسسات رسمية وغير الرسمية وذلك عبر سلسلة تاريخية حملت عادات وتقاليد وأعراف ومتبنيات اصبحت نعمات مسلمات لا يمكن كسرها بإيقاع الثورة العمالية، بل حتى المؤسسات النقابية العمالية تعمل بمقتضى تلك الثقافة التي شكلت طوقا فكريا مهيمنا على أنماط السلوك، وعلى الرغم من القدرة التفسيرية للتفسير «الجرامشاني» لعدم حدوث تلك الثورات، الا انه أبقى حدود ذلك التفسير في اطار الدولة، اي الهيمنة الثقافية داخل الدولة. اما مفهوم الامبريالية الدينية فهو مفهوم ممتد خارج اطار الدولة، فهو مفهوم يجمع حصيلة التفسير الاقتصادي من حيث خروجه عن حدود الدولة الاستعمارية وفي ذات الوقت يتضمن المدلول الثقافي الذي يستند اليه مفهوم الهيمنة الثقافية. 
من حيث الواقع، فلقد شهد التاريخ البشري العديد من الإمبرياليات الدينية، مثل الامبراطورية الرومانية والدولة العثمانية والدولة البيزنطية والتي وظفت الدين كأداة للهيمنة ومن اجل تحقيق غايات السيطرة السياسية والاقتصادية، في الوقت المعاصر هنالك ايضا أنماط من تلك المحاولات من قبل بعض الدول ان تحقق تلك الهيمنة لكونها الاسهل والأيسر حيث يستل منها تحقيق السيطرة بكافة أنواعها، وليست بالضرورة ان تكون تلك الدول في حقيقتها دول دينية، كالكيان الصهيوني على سبيل المثال، وانما يكفيها بأن ترفع شعارات دينية لتبرير فعلها السياسي بالدرجة الأولى ومن ذلك يمكن ان توقع الدول الاخرى خاصة التي تقع في نطاق حيزها الاستقطابي في شراك التبعية من خلال وجود شبكة عريضة من المؤسسات والافراد ذوي الشهرة والنفوذ الشعبي الذين يلعبون دورا ضاغطا لتمكين حالة التبعية والانفرادية. 
من هذه الحالة الفريدة في عالمنا المعاصر نتجت ظاهرة غريبة تتلخص فيما يطلق عليه بـ «الأحلاف القهرية «.
وهو يعني دخول الدولة في حلف بشكل إلزامي والتزامي مسايرة لحالة الامبريالية الدينية التي وجدت شباكها في النسيج السياسي والاجتماعي الداخلي خاصة في مفاصل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية. ولعل ذلك النوع من الأحلاف يورث شكلا من أشكال التركة المكلفة على الدولة التابعة دونما ان يكون هنالك اي منافع ترتجى كحال بقية انواع الأحلاف التقليدية والاستراتيجية التي عرفتها الدول، والتي هي في حقيقتها مجرد اجترار اجباري يتضاعف مع ضعف الدولة من السيطرة الداخلية. لذلك يتعين على الدول التي تقع في شراك تلك الامبريالية ان تتحرك بسرعة في تحرير نفسها والا اصبحت في حالة تبعية وتحمل الوزر السياسي والاقتصادي للدولة وصاحبة الهيمنة والامبريالية الدينية بقوالبها وقلوبها الجديدة.