ليونارد بلتير.. أقدم سجين سياسي معاصر


ربما من النادر ان سمع احد منا باسم ليونارد بلتير Leonard Peltier! هو باختصار احد مناضلي الهنود الحمر في الوقت الراهن وقد صدر بحقه حكمان بالسجن المؤبد، وهو يقضي في أسره منذ اكثر من أربعين عاما حتى الان.
بلتير الذي يبلغ عامه الرابعة والسبعين هذا العام، هو احد ابرز النشطاء لحقوق المواطنين الأصليين في الولايات المتحدة الاميركية في حركة الهنود الأميركيين
‏انشغل هذا المناضل مع زملائه في الدفاع عن حقوق الهنود الحمر المسلوبة وقد دخل السجن خلال أنشطته عدة مرات فوضعته الشرطة الفدرالية في حساباتها حيث دبرت له المكائد الواحدة تلو الاخرى عدة مرات ولكنها لم تنجح في تلفيق تهمة تودعه السجن، وفي احدى هذه المرات لم ينته القاضي لتبرئته فحسب بل اتهم الشرطة الفدرالية بالتلفيق والكيد وفبركة ادلة كيدية ضد بلتير. 
ولكن اخيرا نجحت السلطات الأمنية في عام 1977، بفبركة ادلة لإدانته، في حادثة عرفت باسم باين ريج Pine Ridge وهي احدى مناطق الهنود الحمر، حيث تم فيها تبادل اطلاق النار بين مجموعة من الشرطة الفدرالية والقوة الأمنية العميلة لهم من الهنود الحمر من جهة، ومجموعة اُخرى من حركة الهنود الأميركيين في الجانب الاخر. وفي هذا المعركة تم قتل اثنين من ضباط الشرطة الفدرالية وتم إسناد التهمة للسيد بلتير واثنين من رفاقه، وعلى اثر ذلك، هرب بلتير مع رفاقة واللذان تم القبض عليهما في حين استطاع هو ان يعبر الحدود الكندية ولكن تم جلبه بعد فترة وجيزة عبر اتفاق وتعاون أمني بين الحكومتين الاميركية والكندية.
الغريب في تلك الحادثة ان الشرطة الفدرالية دخلت المنطقة بحجة انها كانت تبحث عن احد أصدقاء بلتير الذي سرق حذاء من احد الفتية المتسكعين في الشارع، ولذلك تم استدعاء قوة بأكملها لهذا الغرض.
وعلى الرغم من الأدلة التي قدمها محامو بلتير اثناء محاكمته والتي تدعم براءته علاوة على شهادة النائب العام الاسبق رامزي كلارك الذي قال بأن الأدلة التي قدمت ضد بلتير ملفقه وظرفية ومنحرفة، وعلى الرغم من شهادات الشهود ضد الأدلة المزعومة التي لفقتها الشرطة الفدرالية ومنع بعضهم من الادلاء بشهادته، وعلى الرغم من تبرئة الشخصين اللذين كانا بصحبة السيد بلتير اثناء المواجهة التي أسفرت عن مقتل اثنين من أفراد الشرطة الفدرالية في محكمة اخرى في ولاية ثانية حيث تم القبض عليهما، على الرغم من كل ذلك، تم الحكم عليه بذلك الحكم القاسي، والذي بموجبه يقبع حتى الان في احد السجون الاميركية، ومن الجدير ذكره هو انه قد تم رفض العديد من طلبات العفو من قبل محاميه للرؤساء الأميركيين ومنهم كلينتون وجورج بوش واوباما، وحاليا تم رفع طلب جديد للرئيس ترامب.
ويوثق الباحث في شؤون الهنود الحمر الاستاذ «جيم وال» نضال السيد بلتير في دراسة رائعة عنوانها «سجن محارب: استمرار كفاح ليونارد بلتير»
وينتهي الاستاذ وال الى خلاصة مهمة وهي « ان الحكومة الاميركية عملت من قصة ليونارد بلتير مثالا لمدى استعدادها لتحطيم اي حركة تتطلع للدفاع عن المواطنين الأصليين، هذه القضية اثبتت بشكل واضح الرسالة، بأن ادعاءات الحكومة الاميركية بالحقوق المدنية والإنسانية هي مجرد تخيلات عندما يكون الامر متعلقا بأمن الدولة «، وطبعا هنا الذي يحدد مفهوم أمن الدولة هو الطرف المحتل والمستبد.
وكبقية قصص المناضلين، لابد من السلطة ان تخلق نداً من داخل « بيت المستهدفين» لكي يقوم بواجب التطهير الناعم وذلك من اجل انتزاع تهمة الاستهداف العنصري ضد السلطة المستبدة. وعملا بذلك فلقد قامت الحكومة الاميركية بدعم احد الهنود الحمر واسمه ديك وليلسون Dick Wilson، والذي أسس بدعم من السلطة الأمنية الاميركية قوة عسكرية اطلق عليها Goon، وهي اختصار لكلمة حراس شعب اجلالا، واجلالا هي احد قبائل الهنود الحمر. هذه القوة كانت مهمتها تعقب واغتيال المعارضين للحكومة الاميركية من الهنود الحمر وخاصة من حركة الهنود الأميركيين. 
لقد أدى ويلسون المهمة نيابة عن سلطة الاحتلال الاميركي على اكمل وجه ضد شعبه المقهور. وعندما استنجد الأهالي البؤساء من شعب اجلالا باعضاء حركة الهنود الأميركيين مناشدينهم الإنقاذ من تعسف ويلسون في مدينة باين ريج، حدثت مواجهة استدعت تدخل القوات الاميركية لإنقاذ عميلهم ويلسون، وهو الامر الذي استدعى تدخلهم مباشرة ، تحت ذريعة الحذاء المسروق، ليتم بعد ذلك استكمال المشهد وتلفيق التهمة ضد بلتير ورفاقه.
ومن هنا يمكننا ان نتوقف قليلا لكي نفكر بكم عدد أشباه ويلسون في العالم حيث تتكرر هذه الشخصية الانتهازية في كل مكان وفي كل تاريخ.
لقد شارك هذا المناضل الاميركي الاصلي الكثير من المنظمات والشخصيات في قضيته ووقعوا له مناشدات وأصدروا بيانات للإعفاء عنه ومن هؤلاء منظمة حقوق الانسان Amnesty International واللجنة العليا لحقوق الانسان في الامم المتحدة والبرلمان الأوربي والبرلمان الايطالي والبرلمان البلجيكي والرئيس السابق للاتحاد السوفييتي غورباشيف والزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا والزعيم الروحي دليلاما، والقديس الافريقي ديسموند توتو، علاوة على مؤسسات وشخصيات اميركية كثيرة منهم خمسون عضوا في مجلس النواب الاميركي وواحد وخمسون عضوا في البرلمان الكندي، وهكذا نظراء لهم في دول اميركا الجنوبية، ولم يكن بين هؤلاء ولا شخصية ولا مؤسسة او دولة عربية او إسلامية مشهورة، وفقا للمعلومات التي اطلعت عليها!!
لقد اعتبر المناضل ليونارد بلتير سجينا سياسيا لدى الكثير من المنظمات القانونية والدولية، وبذلك فهو يعتبر اقدم مناضل وسجين سياسي لا يزال على قيد الحياة حيث مرت عليه 42 سنة تقريبا حتى الان وهو يقف شامخا خلف القضبان. وبغض النظر عما تقوله السلطات الاميركية التي لا تزال تنتهك حقوقه كسجين حيث تمنع عنه الأدوية والمتطلبات الرئيسية سيبقى ليونارد بلتير عنواناً للنضال في تاريخ الهنود الحمر او بالأحرى المواطنيين الأصليين، بل هو عنوان لكل المناضلين والمظلومين في العالم، لانه إنسان رفض الذل والانصياع لسلطة الاذلال.